هناك حلٌّ واحدٌ خلاّقٌ (غيرُ تقليدي) للقضية الفلسطينية يُخرجُ جميعَ الأطرافِ رابحة .         خِطابا للرجال : سُــنَنُ اللهٍ في التغيير ، مختصرها : غيِّروا أداءَكم تُغَــيرْ نِساؤكم .. فَــيُغــيّرْ اللهُ أوضاعـَـكم         السياحة : مفهومُها في القرآن ، ومفهومُ البشر عنها كرحلاتِ لــهْوٍ ومُتعةٍ ، فيها ما فيها !         رمضانياتٌ : كلماتٌ ربانية (مِفتاحية) في آيات الصيامِ القرآنية تفتح للمؤمنين المسلمين فَتْحاً (مُحْــدَثاً) ينفعهم .         بابا الفاتيكان يزور الأرض المقدسة هذا الشهر حسب صفقة أبرمها سلفه (بولس السادس) سنة (1964)         مُجرد الوجودِ لا يكفي ، ومقولةُ (أنا أُفكِّــرُ إذَنْ أنا موجودٌ) أحسنُ منها : أنا أسمعُ وأُبصرُ وأعـقِـلُ : فأنا حيٌ ..         أهم إشاراتِ الساعةِ هي اكتمالُ عِمارة الأرض كُــــلِها وتوقفُ الإضافةِ والتجديد والتجارِبِ ، فهي بعــيدة !         إحصاءاتٌ قرآنية تحْسم كوْنَ الربانيين الآخِرين يعيشون اليومَ هنا حول *[ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَــرَةِ ]          9/17/2014
 
 

بحث في الموقع

 
 

 مواضيع مختــارة

 

      

 

     

2/22/2012 5:39:00 PM

عدد القراءات: 2669
عدد التعليقات: 14




11/16/2011 4:08:00 PM

عدد القراءات: 2563
عدد التعليقات: 7


8/27/2010 12:22:00 PM

عدد القراءات: 19014
عدد التعليقات: 5


8/22/2010 11:38:00 AM

عدد القراءات: 4338
عدد التعليقات: 2









4/27/2010 1:11:00 AM

عدد القراءات: 4594
عدد التعليقات: 4



     

 

  

  

 
 
 

 

 

من نحـــن

نحْوَ مشروعٍ حضاريٍّ عالميٍّ للألفيةِ الثالثةِ

8/22/2010 11:38:00 AM

عدد المشاهدات:4339  عدد التعليقات: 2
8/22/2010 11:38:00 AM

مدرسة الربانيين

 

 

نحْوَ مشروعٍ حضاريٍّ عالميٍّ للألفيةِ الثالثةِ

 

خلقُ الله سبحانه ... وصناعة الإنسان

هندسةُ المجتمعات ... وهندسة الصناعات

 

*[ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ]

 *[ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ]

 

ملخص :

إذا كانت الألفية الأولى لميلاد السيد المسيح عليه السلام قد تميزت بإنابة الإنسان إلى خالقه ورب عمله على الأرض والتزامه المتفاوت بدليل خلق الإنسان (التوراة والإنجيل أولا ثم القرآن آخراً) .. فإن انتكاسة البشر – من أهل الكتابيْن- فكرياً ودينياً قد حدثت في الألفية الثانية بسبب استبدالهما الذي هو أدنى من كلام البشر – أحباراً ورهباناً ثم علماء وفقهاء (أمواتاً وأحياءً) - بالذي هو خير وهو كتابُ الله العظيمُ ودليله إلى مخلوقه الإنسان .

 ولأن سبب الانتكاسة واحد عند الطائفتين (أهلِ التوراة وأهل القرآن) لخصه الله سبحانه لهم ولنا وذكره في مطلع سورة الإسراء *[ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا {2} ] وفسّره بقوله *[ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً {55} ]  النور .. فقد تشابهت العقوبتان الكبريان اللتان قضى بهما الله سبحانه على الطائفتين حتى في الفترة الواحدة بين العقوبتين وبشكل يثبت عملياً حتى لمن لا دين له أن وراء هذا التدبير والتشابه المحسوس مدبراً عظيما ليس من البشر!!!

كان السبب الرئيس لنهضة الغرب المسيحي بعد منتصف الألفية الثانية تحررهم ممّا ورثوه عن أحبارهم ورهبانهم ، وإعلانهم أن التوراة والانجيل ( وهما أصْلاً كتاب الله ) هو مرجع الدين الوحيد . ولسوء الحظ لم يشف هذا الكتاب صدورَهم بسبب كونه طبعة قديمة من *[ الكتاب ] وجهت لقوم معينين بحيث تنتهي صلاحيتها بنزول الطبعة الجديدة العامة والكاملة والدائمة وهي القرآن المجيد الذي هو :

*( الكتاب كلّه ) All in one

وبسبب هذا أهمل الغرب دليل خلق الإنسان الرباني ( Manual ) ورأوا الأمور بعين واحدة هي عين المادة ، ولم يروا أنفسهم خلفاء أو وكلاء لله على الأرض لأنهم لم يمتلكوا (دليل خلق) صالحاً للعصر. وقد كان لهذا التوجه أثر في بناء العلم المادي المنظور وتراجع العلم بالنفس البشرية بعيداً عن دليل الخالق مما أدى إلى رفاهية مادية عوراء لم تواكبها سعادة إنسانية موازية .

 

يقدم هذا البحث رؤية تتم من خلالها الاستفادة من العلم المادي في تطوير طرق البحث والتعلم من دليل الخلق الرباني وبالعكس ، مما يساعد الإنسان :

أولاً على هضم علومه المادية بأكبر قدر من الإيجابيات وأقله من السلبيات..

وثانياً على معرفة العلم الإنساني الرباني الذي أنزل الله سبحانه نصوصه ليتفاعل مع العلم المادي ويوجهه . فدليل الخالق يتطلب من الإنسان أن يكون عصرياً متابعاً أحدث ما توصلت إليه البشرية من علوم ليتمكن من فهم النص الرباني واستنباط تفاصيله التي تنير طريق العلم المادي . بهذا تتحقق للإنسان :

(1) سعادة مستقرة في الحياة الدنيا ، حين يعمر الأرض عمارة تنفع الناس ..

(2) وسعادة في الحياة الأخرى هي أجره الأوفى .

 فعرْضُ الله سبحانه قائم لكل البشر بأجرين وثوابين لمن يريد :

*[ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا :

فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(134) ] النساء .

فعلى من يَقبل هذا العرْض أن يحقق نوعين من المتطلبات يُرضي بهما :

الّلهَ الفاحصَ ( The Examiner) :

1.  متطلبات التعامل مع مادة الأرض بالعلم النافع الذي به يحقق الإنسان مؤهل (الكفاءة / القوة) الذي حصل عليه الغربيون .

2. ومتطلبات التعامل الأمين مع البشر بنظام الخالق الذي قاعدته الإيمان *[ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ]  وحصل عليه المسلمون الاوّلون .

 

وبذلكم يحصل *[ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ] على مؤهِّليْ  القـوَّة والأمـانة معاً :

*[ .. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ

وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(11) ]  المجادلة .

 

*[ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ :

إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقـَوِيُّ الْأَمِـينُ (26) ] القصص .

مقدمة :

وردت أول إشارة إلى (التصميم والبرمجة) – وهما أهم عناصر العمل الهندسي- في إجابة موسى عليه السلام حين سأله فرعون ، كما وُثق ذلك في كتاب الله المجيد :

*[ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى ؟ (49)

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50) ] طه

 بقراءة النص قراءة تدبر عصرية ندرك أن قوله سبحانه *[ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ] له مفهومان :

الأول : أنه عز وجل هو الذي صمم كل شيء فأعطاه خصائصه وصورته التي تناسب الغرض الذي من أجله خلـقه الله ربُّه . فإذا أعدنا الضمير في ( خَلْقَهُ ) إلى الله المصمم سبحانه أفادت كذلك أن كل مخلوق لله عز وجل يحمل وسم الخالق العظيم كما هو الحال في الصناعات البشرية ، ولله المثل الأعلى . فكل شيء من خلق الله تعالى يحمل وسْم الله الدال على الصانع العظيم   *[ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ] مشيراً بحسن تصميمه ودقة صنعه المعجز وإتقان عمله إلى كونه *[ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ {88} ] النمل .

لذلك وصف الله سبحانه نفسه بأنه *[ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ] . فهو الذي خلق ويخلق الأشياء خامتها ونفسها على غير مثال سابق ، فهو خالقها ومُبدعها *[ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ] . وهو الذي يصممها ويَبرؤها لتؤدي مهمتها ، ويعطيها الشكل أو الصورة التي تنسجم مع هذه المهمة .

ولأن الأشياء بتصميمها الرباني تؤدي دورها على أفضل وجه ، ولأن الشيطان – رمزاً للشر- لم يُعطَ الصلاحية ولا القدرة على تغيير خلق الله تعالى .. فقد توعد أن يجعل الإنسان يفعل ذلك في محاولةٍ لتخريب صنعة الله فقال :

*[ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ {119} ] النساء .

ومع الأسف الشديد أنفذ الشيطان وعيده ونجح في جعل الإنسان ينصاع إليه في كثير من الأمور الإنسانية والهندسية والعمرانية ليقع في المتاعب التي يصعب الخروج منها مع سهولة الدخول فيها . ولعل توثيق الله سبحانه لنص هذا الوعيد الشيطاني في سورة النساء بالذات .. لعله ذو دلالة ومغزى !!!

البرمجة الربانية

 قوله سبحانه *[ ثُمَّ هَدَى ] يفيد أنه برمج الشيء المصمَّم ليؤدي دوره في يسر وبأقل التكلفة والجهد ، وهذه هي مهمة المهندس ، كما برمج أشياء أخرى لها به وببعضها علاقة  لتؤدي كلها مهمات متكاملة تزيد الأمور يسراً وسهولة . ولم يصمم الله سبحانه الشيء منفصلا عن الأشياء الأخرى . لهذا قال *[ ثُمَّ هَدَى ] ولم يقل (هداه) فقط .

أنظر إلى عمل أجهزة الجسم وأعضائه وتصميمها وبرمجتها لتؤدي أدوارها تلقائياً في يسر وسهولة . ثمّ أنظر إلى آلاف وربما ملايين أسراب السمك في البحر، والطير في السماء تتحرك بسرعة وباستمرار دون أن تصطدم سمكة بسمكة أو طائر بطائر.

وانظر إلى هذه الملايين من الأجرام السماوية التي تكتظ اكتظاظاً رهيباً حتى لتبدو في المجرة الواحدة وكأنها كتلة واحدة من التبن أو اللبن المسكوب ، تكتظ أجرامها اكتظاظَ حبات الرمل على الشاطئ . ومع ذلك فإن احتمال تصادُم واحد منها بالآخر أقل من احتمال تصادم ذبابتين تطيران في سماء آسيا ! بينما كثيراً ما اصطدمت طائرات ببعضها في الفضاء الرحب وسفن ببعضها في المحيطات ، دع عنك كثرة تصادم السيارات في الطرقات!! فسبحان الله العظيم .

دليل الخلْق الرباني 

Creation Godly Manual

لن نستطيع أن نحصي الأمثلة على خلق الله سبحانه الموصوف بالإتقان المعجز، مع أن أي مثال منها ينطق بما نطق وشهد به شاعر في كلمات :

وفي كل شيء له آية : تدل على أنه الواحد !

ولكننا ونحن في مطلع الألفية الثالثة من ميلاد السيد المسيح ( عليه وعلى المرسلين السلام ) وهو بدون شك حدث بارز في تاريخ الإنسانية ، نتساءل متعجبين : كيف يُقرّ ذوو العقول للخالق العظيم الذي كل هذا الكون خلقُه .. يُقرون له بالعلم والقدرة والحكمة المطلقة ، كما يُقرون بالفرق الهائل بين مخلوقات الله سبحانه ومصنوعاته من جهة ، ومصنوعات الإنسان من جهة أخرى التي يعتبر الكمبيوتر عند الإنسان أرقاها وأكثرَها تعقيداً في مقابل الدماغ البشري صُنعِ الله تعالى ، مع الفرق بين الصنعتين :

*****

نعم نتساءل متعجبين كيف يُقرون بالفرق ثم لا يَسعوْن جاهدين إلى طلب دليل الصنعة Manual من الخالق الصانع بينما يهتمون بعمل دليل يُلحقونه بكل شيء يصنعونه يوضحون فيه كيفية عمل الآلة أو الجهاز المصنوع ، وتعليمات تشغيله ، والغرض الذي يؤديه ، كما يُفصّلون في هذا الدليل كل ما يعين مستعمله المستفيدَ منه على حُسن تشغيله وصيانته من تعليمات  التشغيل والصيانة .. معتزين بضمانة المصنوع أطول فترة ممكنة إذا احتُرمت تعليمات الصانع ، وغير مُغفلين تحذيرات من أمور إذا ارتُكبت أو اذا خولفت تعليمات التشغيل تعتبر الضمانة لاغية ، لأن الجهاز لن يعمل أو أنه ستكثر أعطابه بحيث لا يحقق الغرض منه !

*****

وسنعجب أكثر حين نعلم أن الخالق العظيم الذي هو المهندس المصمم والصانع المنفذ معاً قد أرسل فعلاً دليـلا للإنسان المخلوق الذي خلقه الله سبحانه ووكله عنه وكالة مقيدة ليعمر الأرض حسب خطة الله سبحانه التي أعدها مقدما .

ومع علم الإنسان بهذا الدليل *[ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ(24) ] فاطر ، إلا أن إعراضه عنه في كثير من الأوقات وقلة رجوعه إليه أدى إلى مآسٍ بشرية كثيرة عبر التاريخ .. علماً أن الله سبحانه قد احتاط للأمر *[ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) ] الملك ،  فبرمج الإنسان ليؤدي المهمة التي وكّله واستأجره ربه ليؤديها رغماً عنه سواء علم بذلك أو جهله ، مع الفرق بين الأداءين من حيث الثمن الذي سيدفعه الإنسان في الحالتين :

فإن ما أودع الله سبحانه في الإنسان من غرائز ودوافع فطرية وحاجات تلح عليه لإشباعها إنما يدفعه دفعاً للانخراط في عجلة حركة الحياة وأخذِ موقع له على مسرحها بحيث تسير الحياة الإنسانية في النهاية إلى الغاية التي خطط الله سبحانه لتصل إليها ، وبحيث لا تستطيع قوة على الأرض ولا في الكون أن تعطل الوصول إلى هذه الغاية أو أن تُفسد خُطتها الربانية (Master Plan) الموثقة في *[ أمّ الكتاب ] .

 لهذا نرى أن عِمارة الأرض تتقدم باستمرار رغماً عن كل ما يطرأ هنا وهناك من حروب وصراعات ودمار ومآس ومشكلات أصبح بعضها مستعصياً ومزمناً كأعطاب الجهاز الذي لا تراعى تعليمات تشغيله وصيانته التي أوصى بها صانعُه في دليل الجهاز .

 وفي توصيته للإنسان بالرجوع إلى هذا الدليل والالتزام به يقول سبحانه :

*[ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي(أ) هُدًى : فَمَنِ (ب) اتَّبَعَ هُدَايَ (ت) فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) (ث) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ] طه .

أ.  *[ مِنّي هُدًى ] أي دليلُ أو كتاب تعليمات من الخالق الصانع  (Manual) .

ب. *[ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ] دعوة إلى قراءة التعليمات وتطبيقها قبل وعند التشغيل .

ت. *[ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ] :

ضمانة من الخالق الصانع ( Guarantee,Warranty )

بجودة عمل الجهاز بدون أعطاب او أقلِّها إذا اتُّبعت تعليمات الصانع .

ث .*[ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ] : تحذير بإلغاء الضمانة ( Warning ) إذا خولفت التعليمات ولم يُقرأ الدليل ويُرجع إليه لأن أعطاباً ستصيب الجهاز . فإذا تراكمت وأزمنت تدنت كفاءة الجهاز وكثرت أعطابه ، وسرعان ما يتعطل كالمريض الذي أَزمنت امراضه واستعصت ، فسرعانَ ما يموت !

*****

 فلماذا - ونحن على عتبة الألفية الثالثة - ومشكلات الأرض وما عليها باتت تؤرق البشر وتنذر بأوخم العواقب ... لماذا لا نَعرِض مشكلات نهاية الألفية الثانية على دليل الإنسان والكون لنرى أسبابها وعلاجها مبدئياً في :

فصل الأخطاء المحتملة وعلاجها  Trouble shooting guide

كما هو الحال في دليل الصناعات المتقدمة ، فننظر على سبيل المثال :

1. في هذا الإخلال في التوازن في هندسة العمران وتوزيع الثروة واستهلاك الطاقة … بما ترتب على كل ذلكم من تناقص للأراضي الزراعية وتلويث للبيئة وزلازل أرضية وبشرية وجرائم وأحقاد وبِطالة وتضخم مالي وغلاء متصاعد ، وإنهيار للأسرة وازدياد عدد المشردين والمنحرفين وامتلاء السجون وتحولها إلى مراكز تدريب على الإجرام والانحراف .. وكذلك تفشي الأمراض المستعصية وعلى رأس قائمتها (الايدز) مرض الفاحشة … 

2. وفي هذه التخمة عند القلة القليلة من الناس في كل بلد ، والفقر المدقع عند أضعاف أعداد المتخمين...

3 . وفي هذا الانفصام في الشخصية الذي تعاني منه شعوب الأرض غنيها وفقيرها والذي ينسى بسببه الإنسان ذاته ويتناقض في لحظات ضعف لعدم وجود ذِكرٍ دائم متجانس[1][1] يحفظه من الإفساد وارتكاب الفواحش ، وقد يتحول إلى وحش فيقتل بغير حق ولا أدنى مبرر [2][2]:       

وليس الذئب يأكل لحم ذئب  :    ويأكل بعضُنا بعضاً عِياناً !

 *****

 ألا تهدد هذه الأخطار منجزاتِ الإنسان كلَّها التي شهدها آخرُ قرن من الألفية الثانية ! الثروة في العالم كبيرة ولكننا لا ننظر- لوجود هذا الانفصام في تفكيرنا - إلى آثار سوء توزيعها كما ننظر إلى الإخلال في توازن وسوء توزيع الشعر بين الصلعة واللحية كما شبه هذا بذاك الكاتب الايرلندي الساخر برناردشو[3][3]!

*****

ومن يدري فلعل هذه الصورة الحسية من الإخلال بتوازن الشعر بين جزئين متجاورين من رأس الإنسان هي رسالة ربانية إلى البشر تُذكِّر ببشاعة الإخلال بالتوازن معظمَ الناس الذين ينظرون الى الأشياء بعيون رؤوسهم ولا يُبصرون بعيون عقولهم بند التوازن في دليل خلق الإنسان الذي يوجزه الخالق الصانع العظيم بقوله: *[ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8) ] الرحمن ، ثمّ يفصله في مثل قوله :

*[ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(113) ] هود .

وكما يتعسر إصلاح جهاز معطوب إذا اعتُمد على التجربة والخـطأ دون الرجوع إلى دليل صنـعته (Manual ) ، فانه يتيسر إذا استُعين بدليل ومخطط الجهاز فيكون إصلاحه أسرع وأضمن وأقل كلفة . كذلك يكون إصلاح الفرد أو المجتمع معسَّراً بالتجربة والخطأ فقط وميسَّراً إذا رُجع إلى دليل الخلق . لهذا يقول الله سبحانه :

*[ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153) ] الأنعام .

ثمّ حدّد سبحانه هذا الصراط المستقيم واجب الإتباع بأنه كتاب الله تحديداً :

*[ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) ] الأنعام .

 واتقوا : واحذروا عدمَ اتباعه !

 

خلْقُ الله سبحانه ... وصناعةُ الإنسان

إنه لأمر غريب وغير مفهوم أن يكون الكثير من المخترعات والصناعات الإنسانية التي ميزت القرن العشرين من الألفية الثانية .. تقليداً بشرياً – ولو ناقصاً – لبعض مخلوقات الله سبحانه ومصنوعاته : فالطائرات نسخة ضعيفة عن الطيور، والغواصات نسخة مُكلِفة عن الأسماك ، والكاميرات نُسخت عن العيون ، والحاسبات نُسخت عن الدماغ البشري ، والأقمار الصناعية نسْخة ممسوخة عن الكواكب وأقمارها مع الفارق العظيم بين النسخة والمنسوخ عنه …

فإذا كان الإنسان قد زود مستعملي صناعاته بدليل التعليمات والصيانة لها فلِمَ لم يفكر بطلب دليل خلق الله سبحانه للإنسان والكون فيختصرَ الجهد والزمن والأعطال وأسبابها !!

*****

حين التزم المسلمون الأولون بهذا الدليل وقرؤوا أي فهموا عباراته وجدوا أن عبارات ذلك الدليل كانت آيات معجزة فعلاً كما سماها الخالق الصانع الذي صاغها صياغةً ربانية دقيقة . لهذا اختصر الذين فهموا بعض تلك الآيات بما فيها من تعليمات .. اختصروا الزمن والجهد فأثمرت دعوة الرسول الكريم في جيل واحد بحيث شهد *[ مُحمّد رَسولُ الّلهِ والّذين مَعَه ]  نجاح التجرِبة وقطفوا بأنفسهم ثمرة ما زرعوا[4][4] خلافاً لدعوات الإصلاح التي تستغرق عقوداً وربما قروناً قبل أن تثمر … ومن ذلك دعوة السيد المسيح التي لم تثمر إلا بعد ثلاثة قرون من دعوته بعد أن اعرض عنها المخاطَبون الاصليون بها ، وكذلك حركة الإصلاح الأوروبية الحديثة التي لم تثمر إلا بعد ثلاثة قرون أخرى من انطلاقتها على يد مارتن لوثر والمحتجين سنة 1529/م [5][5].

*****

لهذا الفرق في سرعة الإثمار صنَّف د. مايكل هارت الأمريكي محمدَ بن عبد الله عليه السلام على رأس المئة الأوائل في التاريخ وإنْ لم يؤمن به رسولا من عند الله . أما دعوات الإصلاح التي قامت في بلاد العرب والمسلمين حتى الآن مُعرضةً عن دليل الخلق الرباني ، ومخفقةً في تغيير ما بأنفُس الناس ، فواضح أن نتيجتها الوحيدة : أُمةٌ تتأخر وأفراد لا يكفي تقدُّمهم !!

 

مقتطفات مِن كتابِ الله دليلِ خلق الإنسان

1. أول ما يقرره دليل خلق الإنسان من حقائق هو أن الله سبحانه هو الخالق الصانع للكون وما فيه :

*[ خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11) ] لقمان .

 

2. وكما يخطط المخططون من البشر ويُصنفون خُططهم إلى خطط تكتيكية مرحلية وأخرى استراتيجية بعيدة المدى ، فإن القرآن الكريم ( وهو آخر طبعة من كتابِ الله دليلِ خلق الإنسان ) يشير بوضوح إلى أن الله سبحانه هو *[ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ] فهو السيد المدبر الأعظم للكون كله وكل ما يجري فيه ، كما يشير إلى أنه سبحانه يسيطر سيطرة تامة على مجريات الأمور وبلا منازع :

*[ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255) ] البقرة .

فهو سبحانه دائم المراقبة والإطلاع على كل ما يجري في الكون لحظة بلحظة ، تصله باستمرار أخبار (آخر ساعة/ لحظة) مما يستجد في الكون :

*[ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا ءَاذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ(47) ] فصلت .

 

3 . وفي إشارة بيِّنةٍ إلى خطأ أن يكون للمؤسسة أو المجموعة من الناس أو الدولة أكثر من رئيس (قيادة جماعية) ، واستحالة أن يكون للكون أكثر من إله واحد هو نفسه الرب المدبر ، يقول سبحانه :

*[ لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا

فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(22) ] الأنبياء .

 

4 . بل إن عِلمه سبحانه ليصل إلى درجة تبهر العقل البشري وتجعله عاجزاً عن تصوره لولا هذه المخترعاتُ البشرية التي توصل إليها الإنسان في القرن العشرين بل في النصف الثاني منه تحديداً من وسائل التسجيل والاتصالات والحاسبات الإلكترونية (ودسكاتها) التي قد تقرب إلى أذهاننا إدراك بعض ما عند الله سبحانه من قُوى ، وكيف يكون سبحانه دائماً*[ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ] :

*[ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59) ] الأنعام .

 

5. لقد اكتشف البشر في العصر الحديث وبالتجربة ما سبق إليه دليل خلق الإنسان قبل أربعة عشر قرناً وغفل عنه الأقدمون من المسلمين بعد جيلي الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان ، فكان سبباً في طغيان الزبد على الماء الذي أنزله الله سبحانه من السماء مباركاً على رسوله الأمين … اكتشفوا أن العلوم المادية وكذلك المعارف الإنسانية قسمان :

قسمٌ هو حقائق نظرية تتَّسم بالثبات ، وهي القوانين سواء كانت علميةً مادية أو إنسانيةً تشريعية .

وقسمُ هو تطبيقات عملية تتجدد وتتسم بالتغير حسب الواقع العملي المتغير. وعلى هذا الأساس بات أهل الاختصاص من البشر يُصنَّفون :

فهناك العالِم علماً نظرياً scientist وهناك المهندس الخبير بالعلم التطبيقي Engineer . أولهما يدرس العلم النظري بقوانينه الثابتة نسبياً Pure science ، والآخر يدرس كيفيةَ تطبيقه والانتفاعَ به في الواقع المتغير  Applied science .

وقد اصطُلح على تسمية العلم التطبيقي بالهندسة Engineering .

 

وهناك السلطةُ التشريعية (Legislative Autority) التي تضع الدستور والقوانينَ النظرية المتسمة بالثبات فلا يملك أحد تغييرَها أو تعديلَ نصوصها إلا السلطة التشريعية التي وضعتها . يقابلها السلطةُ التنفيذية (Executive Authority) التي تُصدر من الأنظمة الإدارية والأوامر اليومية المتغيرة حسب الواقع ما تنفذ به القانون وتدير به شؤون الدولة .

وهناك السياسي Politician الذي يدرس السياسة وأصولها دراسة نظرية . يقابله رجل الدولة Statesman الذي هو سياسي تطبيقي يراعي الواقع المتغير والإمكانات المتاحة .

 

وقد غفل المسلمون الأقدمون - بعد الصحابة والتابعين- عن معرفة هذا الفرق بين النظرية والتطبيق ولم يستطيعوا إدراكه من ارتباط *[ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ] في القرآن العظيم عشر مرات في إشارة إلى التشريع النظري الثابتة نصوصه والتي أَمر الله سبحانه رسوله الأمين أن يوثقها كلها فوصلتنا موثقةً في *[ الْكِتَابِ ] .

 

أما الحكمة فجلّها تطبيق متجدد ومتغير حسب الواقع ، لذلك أُمر النبي الامين فأَمر بعدم كتابتها . ومع وضوح الرؤية لأهل النظر والفكر اليوم واكتشافهم سَبْق القرآن العظيم بها قبل قرون … فإنّ خلْط المسلمين الأقدمين بين النظرية والتطبيق وجمودَهم على التطبيق النبوي و( السلفي في ظنهم ) المحكوم بالعصر، وعدم ثباتهم على النص القرآني المقدس الذي هو أصل الشجرة الطيبة الثابت الذي كان يجب أن يثبتوا عليه ( 24/إبراهيم ) … فإن هذا وذاك كان ولا يزال السبب الأول والأهم في جمود قسم من المسلمين وتخلفهم جموداً وتخلفاً مميتين لا نزال نعاني منهما حتى الآن ، وفي انصراف القسم الآخر منهم عن الإسلام كله حين ظنوه في هذه الآلاف المؤلفة من أسفار وكتب الأقدمين التي تخطى الزمن والواقع أكثر ما فيها دون أن يعيب ذلك بعض مؤلفيها الذين أدّوا ما عليهم في زمانهم واجتهدوا ، فكانوا مأجورين ينطبق عليهم قول الله سبحانه فيمن هم خير منهم من النبيّين :

*[ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ

لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ

وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) ] البقرة .

*****

الله سبحانه هو المخطط العظيم والمدبر الكبير للكون

 لكل ما ذُكر ، لم يكن غريباً على خالق صانع هذه قدراته أن يُخطط للكون وما يجري فيه تخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى وآخر تكتيكياً . فإذا عرفنا شيئاً من هذا التخطيط وذاك من دليل خلق الإنسان - كتابِ الله المسطورِ - مستعينين على فهمه بما يجري في الكون المنظور … أمكننا أن نُحسّن في حصتنا البشرية من التخطيط والتنفيذ التي تعتبر فصلاً من خطة الله العامة لخلق الكون كما هي في *[ أُمِّ الْكِتَابِ ] عند الله سبحانه ، كما ان بعضها في الكتاب المجيد الذي أنزله على رسوله الأمين ووصلتنا نصوصه بدقة مطلقة كما نزلت ورُتبت .

 

ومع التسلسل العقلي لهذا الطرح الذي تؤيده أحداث الكون وما يجري فيه كما تؤيده آيات الله سبحانه – التي هي بنود في دليل خلق الإنسان والكون - فإننا في كل ما نسمع ونشاهد من ندوات ونقرأ من أبحاث ، تتناول الأحداث على الأرض والُقوى الفاعلةَ فيها .. لا نسمع أحداً يشير إلى أثر *[ رَبِّ النَّاس ، مَلِكِ النَّاسِ ، إِلَهِ النَّاسِ ] فيما يجري … بل لا يُحسب له سبحانه حسابٌ وكأنه في أحسن الأحوال عند البشر كملكة بريطانيا : تملك ولا تحكم !!

*****

 إن الغرب المسيحي الذي يسيطر على العالم ويفرض عليه فكره المادي الدنيوي (Secular Culture) قد ورث هذه النظرة إلى الخالق العظيم عن اليونان الوثنيين الذين رأى فلاسفتهم أن هناك قوةً عظمى وراء الكون Smart designer ولكنها خلقت واستراحت تاركة الأمر لما فيه من قوانينَ ونواميسَ طبيعية ، مع ما في هذه النظرية من تهافت تكشفه حين تُناقضه ممارساتُ الناس في المؤسسات والدول .

 

 ومع أن الغرب المسيحي اليوم هم أكثر أهل الكتاب الأوّل( التوراة والإنجيل ) الذي كان في حينه  دليلا لخلق الإنسان .. إلا أنه بسبب كون ذلك الدليل طبعةً قديمة وُجهت لقوم معينين بحيث تنتهي صلاحيتها – كما عَلم مُعدها ومنزلها سبحانه - بنزول الطبعة الآخِرةِ ، الجديدةِ ، العامة ، الكاملة والدائمة  لدليل خلق الإنسان كما هو الحال في المناهج التعليمية المتتابعة ..

بسبب ذلك لم يجد أهل الكتاب فيه ما يشفي غليلهم ويطفئ ظمأهم إلى المعرفة بعد أن قرروا بدء نهضتهم واعتبار (التوراة والإنجيل) مصدر الوحي والدين الوحيدَ . كان ذلك بعد سقوط القسطنطينية بأيدي المسلمين سنة 1453/م بثلاثة أجيال فقط . ومع الأسف لم يكن ما عند المسلمين آنذاك من بضاعة فكرية يُغري بطلبها لأنهم كانوا قد هجروا كتاب الله إليهم والى العالَمين وفضلوا عليه روايات البشر وخُرافاتِهم ووصاية الأموات على الأحياء … وهو ما فرّ منه الأوروبيون بإعلان مارتن لوثر والمحتجين مبادئهم الثلاثة[6][6] التي مكّنهم إعلانُها من بدء عصر جديد من النهضة العلمية المادية والاصلاح ( Reformation ) .

ولأن الأوروبيين لم يعرفوا (دليل خلق الإنسان) الرباني الصالح للعصر فقد ساروا إلى الأمام برجل واحدة ونظروا الى الأمور بعين واحدة هي عين المادة ، ولم يروا أنفسهم خلفاء أو وكلاء لله على الأرض لأنهم لم يمتلكوا دليل خلق صالحاً للعصر[7][7]. لهذا استغرقت نهضتهم قروناً ثلاثة حتى أثمرت وقرابة قرنين آخرين حتى بدأ بعض البشر ينعمون جزئياً بهذه الثمرة التي تُلوثها المشكلات الكثيرة والأعطال التي أصابت الجهاز البشري بسبب عدم الرجوع إلى الدليل .

 

تزامُن ليلةِ القدْر سنة 1420/هـ 

مع نهاية الألفية الثانية ومطلع الثالثة

تزامنت العشر الأواخر من رمضان المبارك في سنة 2000 مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة ، وفيها ليلةُ القدْر التي أنزل الله سبحانه فيها القرآن المجيد . وليس هذا التزامن صدفة ، فإن توقعات الناس بحدوث تغييرات كبيرة في الألفية الثالثة يُؤيدها فهمنا البشري لبعض نصوص كتاب الله المجيد الذي هو (دليل خلق الإنسان والكون) ساري المفعول :

*[ حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ(2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ(3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ(5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(6) رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(7) ] الدخان .

 

 ففي ليلة القدر – الشأن العظيم - مِن كل عام يَفرُق/يقضي الله سبحانه بما سينفذ ويُطبق من أمور طيلة العام القادم . فيها يصادق الله سبحانه على الخطة السنوية لما أمَر الله سبحانه به أو أذِن  للتنفيذ في السنة القادمة من سنوات البشر بل في اليوم الرباني القادم الذي نرى أنه الألفية الثالثة. فالله سبحانه :

*[ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ

فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ] السجدة .

ففي نهاية اليوم الرباني – ألف سنة - وبداية اليوم التالي – الألفية التالية - وبناءً على ما كان يُردّ إلى الله سبحانه من علم الساعة أو اللحظة على مدار الألف سنة أولا بأول ، يدبر الله سبحانه ويقضي في تفاصيل خطته الإستراتيجية على مدى الألف سنة التالية . وهو جلّت قدرته

*[ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) ] الرحمن .

 فالتغيير حتمي ومستمر لتَغيُّر حاجات المخلوقات باستمرار. فهو سبحانه دائم الاستماع لما يسأله من في السماوات والأرض لحاجتهم اليه . لهذا يقرر :

*[ .. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ(38) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ(39) ] الرعد .

 

إن ورودَ هذه الآية في سورة الرعد التي ضمّنها الله سبحانه قانون/سُنّةَ التغيير العام لَيدْحض القول الموروث ذا الأثر المدمر: رفعت الأقلام وجفت الصحف !! إذ لا يمكن أن يقول نبي الله محمد عليه السلام ما يخالف نص الرسالة التي نزلت عليه وبها شَرُف وصار رسولا .

 

الألفيةُ الثانيةُ

إذا كانت الألفية الأولى لميلاد السيد المسيح عليه السلام قد تميزت بإنابة الإنسان إلى خالقه ورب عمله على الأرض والتزامه المتفاوت بدليل خلق الإنسان (التوراة والإنجيل أولاً ثم القرآن آخراً) فإن انتكاسة البشر – أهلِ الكتابين- قد حدثت بسبب استبدالهما الذي هو أدنى من كلام البشر – أحباراً ورهباناً ثمّ علماء وفقهاء - بالذي هو خير وهو كتابُ الله ودليله إلى مخلوقه الإنسان الذي قال سبحانه فيه :

*[ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(57) قُلْ : بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58) ] يونس .

 نعم ! خيرٌ من كل ما يَجمعون مِن مال او كتب وأسفار .

ثمّ قرّر سبحانه عالميةَ هذا الكتاب الدليلِ ، وأثرَه على من يُؤمن به ، وعلَّق مشيئة البشر بمشيئة الله تعالى :

*[ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ(28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(29) [ التكوير.

 

ولأن سبب الانتكاسة واحد عند الطائفتين (أهلِ التوراة وأهل القرآن) لخصه الله سبحانه لهم ولنا وذَكره في مطلع سورة الإسراء *[ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ] فقد تشابهت العقوبتان الكبريان اللتان قضى بهما الله سبحانه على الطائفتين حتى في الفترة الواحدة بين العقوبتين وبشكل يثبت عملياً حتى لمن لا دين له أن وراء هذا التشابه المحسوس مدبراً عظيما ليس من البشر :

*****

فقد كانت العقوبة الكبرى الأولى لمن حُمّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها على يد نبوخذ نصر سنة 589/قم ( قبل السْبي البابلي بثلاث سنوات ) ، وكانت المرةُ الثانيةُ/الآخِرةُ على يد تيطس الروماني سنة 70/م بفارق زمني مقداره (659) سنة . كما كانت العقوبة الكبرى الأولى (للمسلمين التراثيين) الذين حُمّلوا القرآن ثمّ لم يحملوه سنة 1258/م على أيدي المغول وهولاكو الذين احتلوا عاصمتهم بغداد ودمروها وقضوا على الدولة والخلافة فيها وأحدثوا فيها من التخريب والتقتيل وحرق للأسفار والكتب التي استبدلت بكتاب الله العظيم ما أصبح مضرِبَ الأمثال .

ثم إن (المسلمين التراثيين) عوقبوا للمرة الثانية/الآخِرةِ سنة 1917/م على يد الحلفاء الذين احتلوا القدس واحتلوا عاصمة الدولة (اسطنبول) معاً وقضوا على الدولة والخلافة *[ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ] بفارق زمني مقداره كذلك (659) سنة كذلك . فسبحان الله العظيم مدبر الأمر الذي له الأمرُ كله !! [8][8]

 

الألفية الثالثة

بعد انتكاسة البشر الفكريةِ والدينية في الألفية الثانية ، وما أحرزوه مع ذلك في نصفها الثاني من تقدم علمي ومادي مذهلٍ فعلا بمعرفتهم لنصف الحق فقط بأنّ كتاب الله هو مرجع الدين الوحيد - الذي كان يُمكنهم بالرجوع اليه لو كان صالحا للعصر ان يمتلكوا النصف الآخَر - وبدون الرجوع إلى دليل خلق الإنسان ، وبسبب ما ترتب على الأمرين معاً : التقدمِ العلمي المادي وإهمال دليل خلق الإنسان .. من مشكلات ومتاعب أزمنت واستعصت على الحل ، وتوشك أن تخرج بالحياة على الأرض عن سيطرة الإنسان الذي يدير الأمور بالوكالة المقيدة عن الله سبحانه... فإن تسلسل الأحداث يشير إلى أن القرن القادم من الألفية الثالثة قد يكون قرن العلم والإيمان بالدين الحق الذي مرجعيته دليل خلق الإنسان/ كتابُ الله العظيم بدون الزَّبد الذي علق بسيله عبر القرون من أقوال وآراء البشر الذين تخطّى الواقع كثيراً من آرائهم واجتهاداتهم حتى الصحيحة منها في عصرهم بحيث لم تبق صالحةً للعصر[9][9] الذي أقسم الله سبحانه به ليلفت انتباهنا إلى أهميته وأثره في تقرير صلاحية العمل ، وإلى ربْط ذلك بالالتزام بالحق عند التنظير، والتحلي بالصبر عند التطبيق :

*[ وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3) ] العصر/103.

أما مصدر الحق ومرجعيته الذي يجب على الناس أن يتواصوا به فهو كتاب الله عز وجل :

*[ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176) ] البقرة

به وحده أوصى الله ورسولُه بل كل رُسلِه :

*[… وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ(79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(80) ] آل عمران .

 

مؤهلاتُ المُؤهلين لقراءةِ الكتابِ (دليلِ خلق الإنسان)

قضى الله سبحانه أن تكون (الأميّة) في الأولين (الرسول النبي الأمين وصحابته الأبرار) من مؤهلاتهم التي أهّلتهم لتلقي الكتاب وقراءته وعقْله (ربطِه) بالواقع البسيط غير المعقد حينئذ . فبسبب أميتهم أي عدم وجود كتب سماوية عندهم يدرسونها *[ وَمَا ءَاتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ(44) ] سبأ .. لم تكن عقولهم ملوثة بزَبد الآراء والأهواء البشرية المدونة المكتوبة كما كان الحال عند أهل الكتاب وغيرهم ، ولم تزِد حجة الرافضين للاصلاح منهم عن الحجة الواهية التقليدية لرافضي الإصلاح والتغيير منذ القدم وحتى اليوم :

*[ بَلْ قَالُوا : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ(24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  (25)  [ الزخرف/43.

وهي الحجة التي تكرر مفهومها في كتاب الله المجيد اثنتين وأربعين مرة يسفّه الله سبحانه فيها أحلام من يرفضون الإصلاح حسب مرجعية كتاب الله العظيمِ بوصفه دليل خلق الإنسان والكون .. فيرفضون ذلك بحجة اكتفائهم بما وجدوا عليه آباءَهم الاقدمين !

 ولأن ما وجد عليه الجاهليون آباءهم كان قد نُقل إليهم مشافهة ولم يكن مكتوباً راسخاً فقد انهار الاحتجاج به أمام الكتاب المعجز المنزل من السماء، ولم يكونوا بحاجة إلاّ إلى عقل وربط آياته بواقعهم ومناسبات الواقع . فلأن الآيات كانت تنزل في معظمها حسب مناسبات واقعيّة فقد سهل عليهم فهمها وإدراكها فأثرت فيهم بمجرد سماعها يتلوها عليهم الرسول النبيُّ الأمين قبل أن يعلمهم ما فيـها من *[ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ] أي نظريةٍ وتطبيق :

*[ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (1) يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ (2) وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ   (3) الْكِتَابَ (4) وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(2) ] الجمعة .

 لهذا خاطبهم الله سبحانه قائلا :

*[ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2) ] يوسف .

 أيْ تربطون آياته بواقعكم .

 

أما الآخِرون من بعدِهم الذين لوثت عقولهم افتراءات وآراء واجتهادات البشر المكتوبةُ بكل ما فيهم من ضعف وأهواء ، بحيث استبدلوا أسفارها بكتاب الله فصار مثَلهم كمثَل الحمار يحمل أسفاراً –  والمسلمون التراثيون الآن منهم - فقد نبههم الله سبحانه إلى مؤهلات أخرى يجب أن يمتلكوها إذا أرادوا معرفة تفصيلات الكتاب ، لأن عقْل آياته بالواقع وببعضها يحتاج اليوم إلى آليّةٍ حديثة لم تكن ميسّرة عند الأقدمين .  فبسبب تعقد الواقع اليوم وتشابك مشكلاته بسبب التقدم العلمي الهائل نحتاج إلى ما لم يعرفه الأقدمون لفهم تفصيلات تلك الآيات

 

وقد ذكر الله سبحانه مؤهلات فهم تفصيلات الكتاب في مطلع سورة فصلت :

*[ كِتَابٌ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3) ] فصلت .

فلا بد لمن يريد فهم تفصيلات القرآن العظيم أن يعرف لسان القرءان العربي ( لا اللغة العربية التي أكثرها لغْوٌ وكلام فارغ )  مِن معجم اللسان العربي وهو القرآن نفسه ، مستعينا بالمُعجم المُفَهرَس لألفاظ القرءان الكريم ، وأن يكون ذا علم مادي يُعينه على فهم إشارات الله سبحانه وتوصياته الكثيرة المُنشَّرةِ والمُشّفرة التي ضمّنها آياته الكريمة[10][10]. وهو العلم الذي وعد الله سبحانه أن يكون كشّافاً لصدق آيات الكتاب الكريم كما ورد في آخر سورة فصلت كذلك :

*[ سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) ] فصلت .

العلم والإيمان

في سورة الإسراء نفسها التي هي حقيقةً سورة *[ القرآن ] الذي تكرر ذكره فيها عشر مرات من ثمانٍ وخمسين مرة في الكتاب كله ، منها التوصية البيّنة الحاسمة من الله سبحانه *[ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ] … في هـذه السورة وخواتيمها يشير الله سبحانه إلى أن العقول الملوثة بما *[ وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا ] من زبد وأباطيل وخرافات لن تستطيع قراءةَ وفهْم القرآن .. دليلِ خلق الإنسان تماماً كالدليل الصناعي الذي لن يستطيع فهْمه والإفادة منه إلا الفنيون . ولا بد من أناس أوتوا العلم قبل أن يؤمنوا به ، حتى إذا ما تليت عليهم آياته استوعبوها وفهموها وعلموا أنها الحق فأثرت فيهم[11][11].  ولتقرير هذا يقول سبحانه مخاطـباً المتمسكين بـِ *[ ما وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا ] من الأُمّيّين الآخِرين كما خاطب الأُميّين الأوَّلين :

*[ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا(106) قُلْ ءَامِنُوا بِهِ أَوْ : لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا(107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا(108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا(109) ] الإسراء .

ولم يرد ذِكر *[ الْعِلْم وَالْإِيمَان ] مقترنيْن إلا مرة واحدة في القرآن الكريم ، ربما في إشارة إلى أن الاثنين سيقترنان في عصر واحد من عصري الإنسان : القديم أوالحديث ، بينما القرآن – على صيغة المثنى- يُقرأ قراءتين أي فهمين : فهْماً في العصر القديم وفهماً في العصر الحديث . لهذا قرن الله سبحانه العلم بالإيمان في خواتيم سورة الروم[12][12]، ليكون ذلك ذا دلالة أخرى في زمن سيطرة ورَثة الروم :

*[ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ(55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(57) ] الروم .

 

فقوله سبحانه *[ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ] من مثاني الكتاب . اوَّلها إشارة إلى أن ذِكْر العالَمين ( وخصَّ هنا المجرمين ) أي أخبارَهم منذ وجد الإنسان إلى يوم البعث ( بمفهوميْه ! ) موثق في كتاب الله ، لكن لا يعلمه إلا الذين أوتوا العلم والإيمان بالكتاب معا . أما الذين لا يعلمون فلن يفهموا كتاب الله تعالى اذ لم يؤمنوا به . وإلا فما كان للمجرمين أن يقسموا أنهم لم يلبثوا قبل ساعة هوانِهم غيرَ ساعة ! فقد ذكر الله سبحانه في كتابه مُقدَّما خطأ مَن يأخذون علم اليقين مِن غير كتاب الله :

*[ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ {200} لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ {201} فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {202} فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ {203} أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ {204} أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ {205} ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ {206}مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ !!! {207} ] الشعراء .

 

كذلك لم يرد ذكر ( العلماء ) إلا مرة واحدة في القرآن الكريم (28/فاطر) . كما وردت ( علماءُ ) مرة أخرى فقط تصِف من عَلمَ وسوف يعلم مِن بني اسرائيل صدق القرءان الكريم (197/الشعراء ) . وفي المرتين رُبطت الكلمة بالكتاب .

 ففي سورة فاطر ذكر الله سبحانه مؤهلات العلماء الذين يخشون الله عزَّ وجلّ وأنهم باختصار من :

(1) يجمعون علماً مادياً بعوالم الكون الثلاثة : عالَمِ النبات وعالَمِ الجماد وعالَمِ الحيوان ..

(2) ويجمعون ذلك الى تلاوة آيات الله سبحانه وما يقتضيه هذا منهم من إقامة الصلاة حسب آيات الكتاب وتحريكِ المال *[ سِرّاً وعلانيةً ] صدقةً وبيعا وشراء :

 

*[ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ(29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ(30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبـَادِهِ لَخَبِيرٌ بَـصِيرٌ(31) ] فاطر .

 

والإشارات في هذه الآيات الكريمة كثيرة : من أهمها أنّ دراسة العلم المادي ضرورة ملحة للعلماء الذين يتلون كتاب الله ويخشونه ، بل إن العلم المادي يسبق زمنياً محاولةَ فهمِ آيات الله وتعليمها ليعين عليها قبل أن يقفز من يَدرس الآيات ويُعلمها جاهلاً .. إلى استنتاجات غير صحيحة تصعب إزالتها إذا استقرت . وقد تكررت الإشارة إلى أسبقية العلم المادي وعظم تأثيره على من يتلو أو تتلى عليه آيات الله .. تكرر ذلك في خواتيم سورة الإسراء كما أسلفنا ( 107- 109 ) ، إضافة إلى مواقع أخرى أكدت كلها عدم استواء الذين يعلمون والذين لا يعلمون .

مِسك الختام

مِسك ختام هذا البحث أن هذا الخطاب الحضاري العالمي سَداه ولُحمته الكلمة الطيبة المطبقة : سَداه الكلمةُ من كتاب الله العظيمِ (دليلِ الخلق) لتمثل عُنصرَ الأصالة الثابتَ في الخطاب ، ولُحمته الفهْمُ والتطبيق الإنساني المتغير ممُثلاً لعنصر التجديد .

 

 وقد سمّى الله سبحانه هذا الخطاب :

*[ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) ] النحل ..

وبيّنها في الايات ( 129-130 ) من سورة البقرة ، وأَمَر الرسولَ النبي الأمين ومن اتبعه من المؤمنين أن يتَّبعوها فتزكَّوا وأفلحوا معه في فترة قياسية لم يعرف لها التاريخ مثيلاً (22/سَنة) . لذلك حذّر الله سبحانه من يرغب عنها بخطواتها الاربع :

تلاوةِ الايات و دراسةِ مفاهيمها النظرية و دراسةِ طرق تطبيقها الحِكمية في الواقع المتغير    التزكّي وتغيير السلوك :

*[ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ (1) يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ (2) الْكِتَابَ (3) وَالْحِكْمَةَ (4) وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ {129} وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ {130} ] البقرة .

الخلاصة

خلاصة البحث أن ما يمارسه أهل الصناعة من تزويد مصنوعاتهم بدليل تعليماتٍ لا بد من فهْمها والالتزام بها من أجل أن يعمل المصنوع بأعلى كفاءة وبأقل أعطاب .. إنما هو مَثل حسي عصري على كتاب الله الخالق الصانع الذي أنزله سبحانه بما فيه من إرشادات وضمانات وتحذيرات إذا فهِمها الإنسان والتزم بها تحسن أداؤه وقلت أخطاؤه وارتقت كفاءته إسهاماً في مهمة عمارة الأرض التي خُلق من أجلها .

 

وقد ضمَّن الله سبحانه هذا الكتاب فصلا مفصَّلا لإصلاح الأخطاء والأعطاب قبل أن تستفحل ، بحيث تكون عينٌ على المعطوب المراد إصلاحه (الواقع) وعين على طريقة إصلاحه في الدليل . وكما يُعهد إلى الفنيين المؤهَّلين بهذه المهمة في عالم الصناعة ، كذلك ينبغي أن لا يُسأل إلاّ أهل الذكر (القرآن) الذين لا يَسألون عليه أجرا . فهم وحدْهم المؤهلون لفهم الواقع وما يناسبه من كتاب الله العظيم .

تقول مقدَّمة هذا الفصل :

*[ قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53) :

(1) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ (2) وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(54) (3) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ(55) ] الزمر.

 

وأحسنُ ما أنزل الله سبحانه إلى عباده هو (القرآن الكريم) الذي جعله مُهيمناً على كل ما أُنزل قبله . ومن جهة أخرى هو *[ أحْسَنُ الحَديثِ ] لأنَّ لكل مقام في واقع الحياة مقالاً فيه هو أحسن الحديث في ذلك الواقع . ومع اعتراف الأقدمين بحقيقة أن لكل مقام مقالاً هو أحسن المقالات ، إلا أنهم غفلوا عن تطبيق هذه الحقيقة على آيات كتاب الله العظيم فظنوها غير صالحة ومتناقضة فأعرضوا عنها سواء من أعرضوا اعترافاً بعجزهم عن الفهم أو أعرضوا ظنّا منهم أنها لم تعد صالحة للعصر.

 

وكما تَختم الشركة الصانعة دليلَ صنعتها بذِكر عنوانها ليكتب إليها مستعملُ الصنعة طالباً مساعدتها إذا تعقدت الأمور ، كذلك يوجهنا الله الخالق سبحانه في كتابه العظيم [ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ] إلى طلب عونه المباشر في بثٍ حيّ لا قيود عليه سوى [ قلْب سَليمٍ ] يرسل ... ويستقبل :

 

*[ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ

أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ

فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ] البقرة .

 

*[ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ {181} وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {182}‏ ]

 

مدرسة الربَّانيّين

 نابلس - *[ الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ] - فلسطين

 

 



[1][1] في الفرق بين شخصية إنسان يتلقى تعليماته من مصدر واحد وشخصيةِ آخَرَ يتلقى من مصادر متناقضة وربما متصارعة ، يقول الله سبحانه :

]* ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(29)[  الزمر[1][2] .

 لقد وصل السوء درجة أن يُقدم أشخاص على قتل أطفال في المدا رس دون مبرر اطلاقاً لدى أي إنسان سوي .

 

[3][3] الذي قال وقد سُئل عن مشكلة العالم الإقتصادية : هي كمشكلة شعر لحيتي وصلعتي: غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع !

[4][4] انظر إلى تعريف الله سبحانه بهم سلفاً وفي الإنجيل بالذات وما في ذلك من إشارات دقيقة: *]وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ…(29)[  الفتح .

 فالزرع – خلافاً للغرس- يثمر سريعاً في سنة . لذلك قطع الله سبحانه لرسوله الأمين وعداً وهو في الطريق إلى المدينة مهاجراً أن يعيده إلى مكة التي أُخرج منها بسبب القرآن الذي فرضه الله تعالى عليه، وسيرجع إليها بسبب استمساكه بالقرآن كذلك . فالقرآن الذي كان سبب الإخراج كان سبب الرجوع . لذلك اشترط الله سبحانه محذراً أن لا يصدّه عن آياته الكافرون . تدبروا قول الله سبحانه في سورة القصص لتروا أن الوعد قطع في ثماني كلمات هي ثماني السنوات بين الهجرة والفتح *] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ(86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(87 )[  القصص

[5][5] بعد أن هزَّ أوروبا حصارُ المسلمين العثمانيين (لفينّا) عاصمة النمسا في العام نفسه ، مما دفع بالأمراء الألمان إلى نصرة مارتن لوثر ليس لمحاربة العثمانيين بل لمعالجة أسباب تخلف وضعف الأوروبيين من أجل تغيير ما بأنفسهم

 [5][6] وهي كما وردت في قاموس (Webster) تحت (Protestant) :

أ. أولوية التوراة (كتابهم المقدس) بوصفها المصدر الوحيد

لحقيقة الوحي والدين عندهم .

a. Primacy of The Bible as the only source of revealed truth

 

ب.الإيمان مقياس الأعمال ، به وحده تُبرّر ويكون الخلاص

b. Justification by faith alone

ج . كل المؤمنين رهبان (فلا امتيازات ولا صكوك غفران لرجال الدين …)

c. The priesthood of all believers

 

[7] [7] أما الذين امتلكوا دليل الخلق الصالح لكل عصر (القرآن العظيم) فلم يكن فهمهم له صالحاً للعصر. لذلك لم يستفيدوا منه فهجره قسم منهم إلى أسفار الحديث والمذاهب مما زاد الطين بِلة ، وهجره القسم الآخر إلى ما عند خصومهم الغربيين من الحضارة المادية فكان ما كان .

[8][8 ] انظر إلى توافق عجيب آخر في مداولة الأيام بين المسلمين والنصارى : فالفترة بين المرتين اللتين انتصر فيهما المسلمون على النصارى: فتح القدس 635 م وفتح القسطنطينية 1453/م تُساوي الفترة بين المرتين اللتين انتصر فيهما النصارى على المسلمين : احتلال الصليبيين للقدس 1099م واحتلالها ثانية على أيدي الحلفاء 1917م !! وإن تطابق هذه الفترة (818 سنة) مع عدد كلمات سورة الروم بالذات (818 كلمة) [ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ] توحي أن الثالثة إن شاء الله ستكون سجالاً ينتصر فيها الطرفان على قاعدة ( Win-Win situation ) حين يرجعان الى القرءان العظيم بوصفه دليل الخلْق !!

[9][9] الكلام غذاء العقول ، وهو كالطعام والشراب غذاء الأبدان .. وكالدواء علاجها . فكما للطعام والدواء تاريخ انتهاء صلاحية Expiry Date (مهما أضفنا إليه من مادة حافظة Preservative) لا تصلح بعده للإستهلاك الآدمي ، فكذلك الكلام .. إلا كلام الله سبحانه في القرآن المجيد ، فقد حفظه سبحانه مرتين : مرة من أن يُفسده الزمن ، ومرة من أن يُحرفه البشر *[ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ] الحجر .

[10][10] وهذه الإشارات والتوصيات والأمثال تشكل بيان الله تعالى لكتابه العظيم الذي أشار إليه سبحانه بقوله:

]* لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ(18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ(19) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21)[  القيامة .

[11][11] أمّا : مَن مِن أمم الغرب النصراني سيكون من السابقين الآخِرين ؟؟؟؟ فعلمه عند الله تعالى لأنه سبحانه سبق أن أشار إلى قِصر نظر البشر في الحكم على مِثل هذه الأمور وغفلتهم عن النتائج بعيدة المدى . كما دلت على ذلك تجربة المسلمين الأولين وتوقعاتهم عن فارس والروم . لذلك قرر الله سبحانه وفي مطلع سورة الروم ]* وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)[  الروم . ومن اللافت للنظر أن سورة الروم سبقتها سورة العنكبوت {!!} وتلتها سورة لقمان ثمّ السجدة !!!

[12][12] في ذلك إشارة إلى أن انتهاء سيطرة فكر ونظام ورثة الروم سيكون عندما يُربط العلم (بالإيمان بكتاب الله العظيم) !



أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
البريد الإلكتروني
التعليق
يرجى الاجابة 8 + 7 = *

تعليقات الزوار

1

على يحيى، مصر

المقال رائع وعلمى ولكنه كالعادة تجاهل اهم تعليمات الاصلاح للبشرية فى كل الاديان الا وهو حرية السعى فى ارض الله للعمل والاسترزاق والاقامة فى اى مكان من ارض الله وكذلك حرية انتقال السلع وراس المال"الثروات" دون عوائق" اصنام " من صنع البشركجواز السفر و التاشيرة وتقسيم الارض الى سجون كبيرة تسمى الدولة الوطنيةيميز الناس بداخلها بصنم اسمه الجنسيةوهذا الطاغوت المسمى الدولة الوطنية الى جانب العصبية والطائفية هى الاله الذى يعبد فى الارض الان بدليل هذه الحروب التى قامت وستقوم دفاعا عن هذا الطاغوت والذى يؤدى الى احتكار الثروة لصالح مجموعات معينة فقط من الناس


2

محمد راجح يوسف دويكات، نابلس - فلسطين

أخي السيد علي : سلام الله عليك ورحمة منه وبركات وبعد ، هذا البحث عنوانه : نحو مشروع ... وليس هو كل المشروع . التفصيلات غير المسبوقة مبثوثة في المقالات الأخرى . وحين يأذن الله سبحانه سيجد الناس ان كتاب ربهم أنزله الله تبيانا لكل شيء . إقرأ على الموقع : بديل ثقافة العنف لتغيير وإصلاح الأنظمة ، وجواب السؤال الصعب أين الخلل ...شكرا لك .


 
 
ما ينشر في هذا الموقع ( ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) ( لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ) وليس حقا لفرد أو أفراد
2008