New Page 1
نحْوَ مشروعٍ حضاريٍّ عالميٍّ للألفيةِ الثالثةِ |
22/08/2008 11:38:00 |
عدد
المشاهدات:860 عدد التعليقات:2 |
مدرسة الربانيين
نحْوَ مشروعٍ حضاريٍّ عالميٍّ للألفيةِ الثالثةِ
خلقُ اللهِ سبحانه ... وصناعةُ الإنسان
هندسةُ المجتمعات ... وهندسةُ الصناعات
[ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ]
[ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ]
ملخص :
إذا كانت الألفية الأولى لميلاد السيد المسيح عليه السلام قد تميزت بإنابة الإنسان إلى خالقه ورب عمله على الأرض والتزامه المتفاوت بدليل خلق الإنسان (التوراة والإنجيل أوَّلا ثم القرآن آخراً) .. فإن انتكاسة البشر – من أهل الكتابيْن- فكرياً ودينياً قد حدثت في الألفية الثانية بسبب استبدالهما الذي هو أدنى من كلام البشر – أحباراً ورهباناً ثم علماء وفقهاء (أمواتاً وأحياءً) - بالذي هو خير وهو كتاب الله العظيمُِ ودليله إلى مخلوقه الإنسان .
ولأن سبب الانتكاسة واحد عند الطائفتين (أهلِ التوراة وأهل القرآن) لخصه الله سبحانه لهم ولنا وذَكره في مطلع سورة الإسراء [ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ] وفسّره بقوله [ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ]55/النور .. فقد تشابهت العقوبتان الكبريان اللتان قضى بهما الله سبحانه على الطائفتين حتى في الفترة الواحدة بين العقوبتين وبشكل يثبت عملياً حتى لمن لا دين له أن وراء هذا التدبير والتشابه المحسوس مدبراً عظيما ليس من البشر!!!
كان السببُ الرئيسُ لنهضة الغرب المسيحي بعد منتصف الألفية الثانية تحرُّرَهم ممّا ورثوه عن أحبارهم ورهبانهم ، وإعلانهم أن التوراة والانجيل ( وهما أصْلاً كتاب الله ) هو مرجعُ الدين الوحيد . ولسوء الحظ لم يشفِ هذا الكتاب صدورَهم بسبب كونه طبعةً قديمة من [ الكتاب ] وجهت لقوم معينين بحيث تنتهي صلاحيتها بنزول الطبعةِ الجديدة العامة والكاملة والدائمة وهي القرآن المجيد الذي هو :
الكتاب كلّه All in one
وبسبب هذا أهمل الغرب دليلَ خلق الإنسان الرباني ( Manual ) ورأوا الأمور بعينٍ واحدة هي عين المادة ، ولم يروا أنفسهم خلفاء أو وكلاء لله على الأرض لأنهم لم يمتلكوا (دليل خلق) صالحاً للعصر. وقد كان لهذا التوجه أثرٌ في بناءِ العلم المادي المنظور وتراجعِ العلم بالنفس البشرية بعيداً عن دليل الخالق مما أدى إلى رفاهية مادية عوراءَ لم تواكبها سعادة إنسانية موازية .
ُيقدم هذا البحث رؤيةً تتم من خلالها الاستفادة من العلم المادي في تطوير طرق البحث والتعلم من دليل الخلق الرباني وبالعكس ، مما يساعد الإنسان :
أوَّلاً على هضم علومه المادية بأكبر قدر من الإيجابيات وأقله من السلبيات..
وثانياً على معرفة العلم الإنساني الرباني الذي أنزل الله سبحانه نصوصه ليتفاعل مع العلم المادي ويوجهه . فدليل الخالق يتطلب من الإنسان أن يكون عصرياً متابعاً أحدث ما توصلت إليه البشرية من علوم ليتمكن من فهم النص الرباني واستنباط تفاصيله التي تنير طريق العلم المادي . بهذا تتحقق للإنسان :
(1) سعادةٌ مستقرة في الحياة الدنيا ، حين يعمر الأرض عمارةً تنفع الناس ..
(2) وسعادةٌ في الحياة الأخرى هي أجرُه الأوْفى .
فعرْضُ الله سبحانه قائم لكل البشر بأجرين وثوابين لمن يريد :
*[ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا :
فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(134) ] النساء .
فعلى من يَقبل هذا العرْض أن يحقق نوعين من المتطلباتِ يُرضي بهما :
الّلهَ الفاحصَ ( The Examiner) :
1. متطلبات التعامل مع مادة الأرض بالعلم النافع الذي به يحقق الإنسان مؤهِّل (الكفاءة / القوة) الذي حصل عليه الغربيون .
2. ومتطلباتِ التعامل الأمين مع البشر بنظام الخالق الذي قاعدته الإيمانُ *[ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ] وحصل عليه المسلمون الاوّلون .
وبذلكم يحصل [ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ ] على مؤهِّليْ القـوَّة والأمـانة معاً :
[ .. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(11) ] المجادلة .
*[ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ :
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقـَوِيُّ الْأَمِـينُ (26) ] القصص .
مقدَّمة :
وردت أول إشارة إلى (التصميم والبرمجة) – وهما أهم عناصر العمل الهندسي- في إجابة موسى عليه السلام حين سأله فرعون ، كما وُثق ذلك في كتاب الله المجيد :
[ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى ؟ (49)
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50) ] طه
بقراءة النص قراءة تدبر عصرية ندرك أن قوله سبحانه [ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ] له مفهومان :
الأول : أنه عز وجل هو الذي صمم كل شيء فأعطاه خصائصه وصورته التي تناسب الغرض الذي من أجله خلـقه الله ربُّه . فإذا أَعدنا الضمير في ( خَلْقَهُ ) إلى الله المصمم سبحانه أفادت كذلك أن كل مخلوق لله عز وجل يحمل وسم الخالق العظيم كما هو الحال في الصناعات البشرية ، ولله المثل الأعلى . فكل شيء من خلق الله تعالى يحمل وسْم الله الدال على الصانع العظيم [ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ] مشيراً بحسن تصميمه ودقة صنعه المعجز وإتقان عمله إلى كونه [ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ] 88/ النمل .
لذلك وصف الله سبحانه نفسه بأنه [ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ] . فهو الذي خلق ويخلق الأشياء خامتها ونفسها على غير مثال سابق ، فهو خالقها ومُبدعها [ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ] . وهو الذي يصممها ويَبرؤها لتؤدي مهمتها ، ويعطيها الشكل أو الصورة التي تنسجم مع هذه المهمة .
ولأن الأشياء بتصميمها الرباني تؤدي دورها على أفضل وجه ، ولأن الشيطان – رمزاً للشر- لم يُعطَ الصلاحية ولا القدرة على تغيير خلق الله تعالى .. فقد توعد أن يجعل الإنسان يفعل ذلك في محاولةٍ لتخريب صنعة الله فقال :
[ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ] 119/النساء .
ومع الأسف الشديد أنفذ الشيطان وعيده ونجح في جعل الإنسان ينصاع إليه في كثير من الأمور الإنسانية والهندسية والعمرانية ليقع في المتاعب التي يصعب الخروج منها مع سهولة الدخول فيها . ولعل توثيق الله سبحانه لنص هذا الوعيد الشيطاني في سورة النساء بالذات .. لعله ذو دلالة ومغزى !!!
البرمجة الربانية
قوله سبحانه [ ثُمَّ هَدَى ] يفيد أنه برمج الشيء المصمَّم ليؤدي دوره في يسر وبأقل التكلفة والجهد ، وهذه هي مهمة المهندس ، كما برمج أشياء أخرى لها به وببعضها علاقة لتؤدي كلها مهمات متكاملة تزيد الأمور يسراً وسهولة . ولم يصمم الله سبحانه الشيء منفصلا عن الأشياء الأخرى . لهذا قال [ ثُمَّ هَدَى ] ولم يقل (هداه) فقط .
أنظر إلى عمل أجهزة الجسم وأعضائه وتصميمها وبرمجتها لتؤدي أدوارها تلقائياً في يسر وسهولة . ثمّ أنظر إلى آلاف وربما ملايين أسراب السمك في البحر، والطير في السماء تتحرك بسرعة وباستمرار دون أن تصطدم سمكة بسمكة أو طائر بطائر.
وانظر إلى هذه الملايين من الأجرام السماوية التي تكتظ اكتظاظاً رهيباً حتى لتبدو في المجرة الواحدة وكأنها كتلة واحدة من التبن أو اللبن المسكوب ، تكتظ أجرامها اكتظاظَ حبات الرمل على الشاطئ . ومع ذلك فإن احتمال تصادُم واحد منها بالآخر أقل من احتمال تصادم ذبابتين تطيران في سماء آسيا ! بينما كثيراً ما اصطدمت طائرات ببعضها في الفضاء الرحب وسفن ببعضها في المحيطات ، دع عنك كثرة تصادم السيارات في الطرقات!! فسبحان الله العظيم .
دليل الخلق الرباني
Creation Godly Manual
لن نستطيع أن نحصي الأمثلة على خلق الله سبحانه الموصوف بالإتقان المعجز، مع أن أي مثال منها ينطق بما نطق وشهد به شاعر في كلمات :
وفي كل شيء له آية : تدل على أنه الواحد !
ولكننا ونحن في مطلع الألفية الثالثة من ميلاد السيد المسيح ( عليه وعلى المرسلين السلام ) وهو بدون شك حدث بارز في تاريخ الإنسانية ، نتساءل متعجبين : كيف يُقرّ ذوو العقول للخالق العظيم الذي كل هذا الكون خلقُه .. يُقرون له بالعلم والقدرة والحكمة المطلقة ، كما يُقرون بالفرق الهائل بين مخلوقات الله سبحانه ومصنوعاته من جهة ، ومصنوعات الإنسان من جهة أخرى التي يعتبر الكمبيوتر عند الإنسان أرقاها وأكثرَها تعقيداً في مقابل الدماغ البشري صُنعِ الله تعالى ، مع الفرق بين الصنعتين :
نعم نتساءل متعجبين كيف يُقرّون بالفرق ثم لا يَسعوْن جاهدين إلى طلب دليل الصنعة Manual من الخالق الصانع بينما يهتمون بعمل دليلٍ يُلحقونه بكل شيء يصنعونه يوضحون فيه كيفية عمل الآلة أو الجهاز المصنوع ، وتعليمات تشغيله ، والغرضَ الذي يؤديه ، كما يُفصّلون في هذا الدليل كل ما يعين مستعمله المستفيدَ منه على حُسن تشغيله وصيانته من تعليمات التشغيل والصيانة .. معتزين بضمانة المصنوع أطول فترة ممكنة إذا احتُرمت تعليمات الصانع ، وغيرَ مُغفلين تحذيرات من أمور إذا ارتُكبت أو اذا خولفت تعليمات التشغيلِ تعتبر الضمانة لاغية ، لأن الجهاز لن يعمل أو أنه ستكثر أعطابه بحيث لا يحقق الغرض منه !
وسنعجب أكثر حين نعلم أن الخالق العظيم الذي هو المهندس المصمم والصانع المنفذ معاً قد أرسل فعلاً دليـلا للإنسان المخلوق الذي خلقه الله سبحانه ووكله عنه وكالة مقيدة ليعمر الأرض حسب خطة الله سبحانه التي أعدها مقدما .
ومع علم الإنسان بهذا الدليل [ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ(24) ] فاطر ، إلا أن إعراضه عنه في كثير من الأوقات وقلةَ رجوعه إليه أدى إلى مآسٍ بشرية كثيرة عبر التاريخ .. علماً أن الله سبحانه قد احتاط للأمر [ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) ] الملك ، فبرمج الإنسان ليؤدي المهمة التي وكّله واستأجره ربه ليؤديها رغماً عنه سواء علم بذلك أو جهله ، مع الفرق بين الأداءين من حيث الثمن الذي سيدفعه الإنسان في الحالتين :
فإن ما أودع الله سبحانه في الإنسان من غرائز ودوافع فطرية وحاجات تلحُّ عليه لإشباعها إنما يدفعه دفعاً للانخراط في عجلة حركة الحياة وأخذِ موقع له على مسرحها بحيث تسير الحياة الإنسانية في النهاية إلى الغاية التي خطط الله سبحانه لتصل إليها ، وبحيث لا تستطيع قوة على الأرض ولا في الكون أن تعطل الوصول إلى هذه الغاية أو أن تُفسد خُطتها الربانية (Master Plan) الموثقة في [ أُمّ الكتاب ] .
لهذا نرى أن عِمارة الأرض تتقدم باستمرار رغماً عن كل ما يطرأ هنا وهناك من حروب وصراعات ودمار ومآس ومشكلات أصبح بعضها مستعصياً ومزمناً كأعطاب الجهاز الذي لا تراعى تعليمات تشغيله وصيانته التي أوصى بها صانعُه في دليل الجهاز .
وفي توصيته للإنسان بالرجوع إلى هذا الدليل والالتزام به يقول سبحانه :
*[ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي(أ) هُدًى : فَمَنِ (ب) اتَّبَعَ هُدَايَ (ت) فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) (ث) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ] طه .
أ. [ مِنّي هُدًى ] أي دليلُ أو كتاب تعليمات من الخالق الصانع (Manual) .
ب. [ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ] دعوة إلى قراءة التعليمات وتطبيقها قبل وعند التشغيل .
ت. [ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ] :
ضمانة من الخالق الصانع ( Guarantee,Warranty )
بجودة عمل الجهاز بدون أعطاب او أقلِّها إذا اتُّبعت تعليمات الصانع .
ث . [ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ] : تحذير بإلغاء الضمانة ( Warning ) إذا خولفت التعليمات ولم يُقرأ الدليل ويُرجع إليه لأن أعطاباً ستصيب الجهاز . فإذا تراكمت وأزْمنت تدنت كفاءة الجهاز وكثرت أعطابه ، وسرعان ما يتعطل كالمريض الذي أَزمنت امراضه واستعصت ، فسرعانَ ما يموت !
فلماذا - ونحن على عتبة الألفية الثالثة - ومشكلات الأرض وما عليها باتت تؤرق البشر وتنذر بأوخم العواقب ... لماذا لا نَعرِض مشكلات نهاية الألفية الثانية على دليل الإنسان والكون لنرى أسبابها وعلاجها مبدئياً في :
فصل الأخطاء المحتملة وعلاجها Trouble shooting guide
كما هو الحال في دليل الصناعات المتقدمة ، فننظر على سبيل المثال :
1. في هذا الإخلال في التوازن في هندسة العمران وتوزيع الثروة واستهلاك الطاقة … بما ترتب على كل ذلكم من تناقص للأراضي الزراعية وتلويثٍ للبيئة وزلازلَ أرضيةٍ وبشرية وجرائمَ وأحقادٍ وبِطالة وتضخمٍ ماليٍّ وغلاءٍ متصاعد ، وإنهيارٍ للأسرة وازديادِ عدد المشردين والمنحرفين وامتلاءِ السجون وتحوُّلها إلى مراكزَ تدريب على الإجرام والانحراف .. وكذلك تفشي الأمراض المستعصية وعلى رأس قائمتها (الايدز) مرضُ الفاحشة …
2. وفي هذه التخمة عند القلة القليلة من الناس في كل بلد ، والفقر المدقع عند أضعاف أعداد المتخمين...
3 . وفي هذا الانفصام في الشخصية الذي تعاني منه شعوب الأرض غنيها وفقيرُها والذي ينسى بسببه الإنسان ذاته ويتناقض في لحظات ضعف لعدم وجود ذِكرٍ دائمٍ متجانس[1][1] يحفظه من الإفساد وارتكاب الفواحش ، وقد يتحول إلى وحش فيقتل بغير حق ولا أدنى مبرر [2][2]:
وليس الذئبُ يأكل لحمَ ذئبٍ : ويأكل بعضُنا بعضاً عِياناً !
ألا تهدد هذه الأخطارُ منجزاتِ الإنسان كلَّها التي شهدها آخرُ قرن من الألفية الثانية ! الثروة في العالم كبيرة ولكننا لا ننظر- لوجود هذا الانفصام في تفكيرنا - إلى آثار سوء توزيعها كما ننظر إلى الإخلال في توازن وسوء توزيع الشعر بين الصلعة واللحية كما شبه هذا بذاك الكاتبُ الايرلندي الساخر برناردشو[3][3]!
ومن يدري فلعلَّ هذه الصورة الحسية من الإخلال بتوازن الشعر بين جزئين متجاورين من رأس الإنسان هي رسالة ربانية إلى البشر تُذكِّر ببشاعة الإخلال بالتوازن معظمَ الناس الذين ينظرون الى الأشياء بعيون رؤوسهم ولا يُبصرون بعيون عقولهم بند التوازن في دليل خلق الإنسان الذي يوجزه الخالق الصانع العظيم بقوله: [ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ(8) ] الرحمن ، ثمّ يفصله في مثل قوله :
[ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ(113) ] هود .
وكما يتعسر إصلاح جهاز معطوب إذا اعتُمد على التجربة والخـطأ دون الرجوع إلى دليل صنـعته (Manual ) ، فانه يتيسر إذا استُعين بدليل ومخطط الجهاز فيكون إصلاحه أسرع وأضمن وأقل كلفة . كذلك يكون إصلاح الفرد أو المجتمع معسَّراً بالتجرِبة والخطأ فقط وميسَّراً إذا رُجع إلى دليل الخلق . لهذا يقول الله سبحانه :
[ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153) ] الأنعام .
ثمّ حدّد سبحانه هذا الصراط المستقيم واجب الإتباع بأنه كتاب الله تحديداً :
[ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(155) ]الأنعام .
واتقوا : واحذروا عدمَ اتباعه !
خلْقُ الله سبحانه ... وصناعةُ الإنسان
إنه لأمر غريب وغير مفهوم أن يكون الكثير من المخترعات والصناعات الإنسانية التي ميزت القرن العشرين من الألفية الثانية .. تقليداً بشرياً – ولو ناقصاً - لبعض مخلوقات الله سبحانه ومصنوعاته : فالطائرات نسخة ضعيفة عن الطيور، والغواصات نسخة مُكلِفة عن الأسماك ، والكاميرات نُسخت عن العيون ، والحاسبات نُسخت عن الدماغ البشري ، والأقمار الصناعية نسْخة ممسوخة عن الكواكب وأقمارها مع الفارق العظيم بين النسخة والمنسوخ عنه …
فإذا كان الإنسان قد زود مستعملي صناعاته بدليل التعليمات والصيانة لها فلِمَ لم يفكر بطلب دليل خلق الله سبحانه للإنسان والكون فيختصرَ الجهد والزمن والأعطال وأسبابها !!
حين التزم المسلمون الأوَّلون بهذا الدليل وقرؤوا أي فهموا عباراته وجدوا أن عبارات ذلك الدليل كانت آيات معجزة فعلاً كما سماها الخالق الصانع الذي صاغها صياغةً ربانية دقيقة . لهذا اختصر الذين فهموا بعض تلك الآيات بما فيها من تعليمات .. اختصروا الزمن والجهد فأثمرت دعوة الرسول الكريم في جيل واحد بحيث شهد [ مُحمّد رَسولُ الّلهِ والّذين مَعَه ] نجاح التجرِبة وقطفوا بأنفسهم ثمرة ما زرعوا[4][4] خلافاً لدعوات الإصلاح التي تستغرق عقوداً وربما قروناً قبل أن تثمر … ومن ذلك دعوة السيد المسيح التي لم تثمر إلا بعد ثلاثة قرون من دعوته بعد أن اعرض عنها المخاطَبون الاصليون بها ، وكذلك حركة الإصلاح الأوروبية الحديثة التي لم تثمر إلا بعد ثلاثة قرون أخرى من انطلاقتها على يد مارتن لوثر والمحتجين سنة 1529م[5][5].
لهذا الفرق في سرعة الإثمار صنَّف د. مايكل هارت الأمريكي محمدَ بن عبد الله عليه السلام على رأس المئة الأوائل في التاريخ وإنْ لم يؤمن به رسولا من عند الله . أما دعوات الإصلاح التي قامت في بلاد العرب والمسلمين حتى الآن مُعرضةً عن دليل الخلق الرباني ، ومخفقةً في تغيير ما بأنفُس الناس ، فواضح أن نتيجتها الوحيدة : أُمةٌ تتأخر وأفراد لا يكفي تقدُّمهم!!
مقتطفات مِن كتابِ الله دليلِ خلق الإنسان
1. أول ما يقرره دليل خلق الإنسان من حقائق هو أن الله سبحانه هو الخالق الصانع للكون وما فيه :
[ خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11) ] لقمان .
ولأن سبب الانتكاسة واحد عند الطائفتين (أهلِ التوراة وأهلِ القرآن) لخصه الله سبحانه لهم ولنا وذَكره في مطلع سورة الإسراء [ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ] فقد تشابهت العقوبتان الكبريان اللتان قضى بهما الله سبحانه على الطائفتين حتى في الفترة الواحدة بين العقوبتين وبشكل يثبت عملياً حتى لمن لا دين له أن وراءَ هذا التشابه المحسوس مدبراً عظيما ليس من البشر:
العلمُ والإيمان
في سورة الإسراء نفسها التي هي حقيقةً سورة [ القرآن ] الذي تكرر ذكره فيها عشر مرات من ثمانٍ وخمسين مرة في الكتاب كله ، منها التوصية البيّنة الحاسمة من الله سبحانه [ إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ] … في هـذه السورة وخواتيمها يشير الله سبحانه إلى أن العقول الملوَّثة بما [ وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا ] من زبد وأباطيل وخرافات لن تستطيع قراءةَ وفهْم القرآن .. دليلِ خلق الإنسان تماماً كالدليل الصناعي الذي لن يستطيع فهْمه والإفادةَ منه إلا الفنيون . ولا بد من أناس أوتوا العلم قبل أن يؤمنوا به ، حتى إذا ما تليت عليهم آياته استوعبوها وفهموها وعلموا أنها الحق فأثرت فيهم[11][11]. ولتقرير هذا يقول سبحانه مخاطـباً المتمسكين بـِ [ ما وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا ] من الأُمّيّين الآخِرين كما خاطب الأُميّين الأوَّلين :
[ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا(106) قُلْ ءَامِنُوا بِهِ أَوْ : لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا(107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا(108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا(109) ] الإسراء .
[ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ(55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ(57) ] الروم .
بعد أن هزَّ أوروبا حصارُ المسلمين العثمانيين (لفينّا) عاصمة النمسا في العام نفسه ، مما دفع بالأمراء الألمان إلى نصرة مارتن لوثر ليس لمحاربة العثمانيين بل لمعالجة أسباب تخلف وضعف الأوروبيين من أجل تغيير ما بأنفسهم .
[5][6]وهي كما وردت في قاموس (Webster) تحت (Protestant) :
أ. أولوية التوراة (كتابهم المقدس) بوصفها المصدر الوحيد
لحقيقة الوحي والدين عندهم .
a. Primacy of The Bible as the only source of revealed truth
ب.الإيمان مقياس الأعمال ، به وحده تُبرّر ويكون الخلاص
b. Justification by faith alone
ج . كل المؤمنين رهبان (فلا امتيازات ولا صكوك غفران لرجال الدين …)
c. The priesthood of all believers