New Page 1
القراءةُ الآخِرة للقرءان الكريم : مُدخَلٌ إلى خطابٍ إسلاميٍّ ربانيٍّ مُعاصِرٍ |
10/08/2008 20:04:00 |
عدد
المشاهدات:772 عدد التعليقات:3 |
محمد راجح يوسف دويكات
القراءةُ الآخِرة للقرءان العظيم
مُدخَل إلى خطابٍ إسلاميٍّ ربانيٍّ مُعاصِرٍ
مؤَسَّسٍ على
[ تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ]
الكتاب و الحكمة
القرآن و السيرة
الرسول المبلِّغ و النبي المُطبِّق
النظرية الثابتة و التطبيق المتجدد
الأصالة و التجديد
[ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ]
[ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ]
بنيانا ثابتا مُعجزاً لا يتغير
[ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ]
يتغير
(1)
مُقدَّمـة
بعد ثلاثة أجيال – منذ الحرب العالمية الأولى- والجيل الرابع على الطريق، أخفق المسلمون - وأخص الإسلاميين منهم - في إيجاد الفرد المتميز والمؤثر للمسلم القويِّ الأمين . ومع أن تحسنا طرأ على الأفراد ، إلاّ أن هذا التحسن والتغيير الجزئي في فكر وسلوك الأفراد لم يصل إلى الدرجة التي وعد الله سبحانه عندها بتحقيق وعده وانجاز حصته مِن التغيير التي هي تغيير ما بالقوم من أوضاع حسبما يشير قانون التغيير العام الموثق في آية التغيير من كتاب الله العظيم :
* [.. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ .. (11) ] الرعد .
(2)
الخطاب ( الإسلامي !) التقليدي الموروث
مؤسس على شفا جرُفٍ هار
فإذا كانت النتيجة المرجوة لم تتحقق ، فمعنى ذلك أن السبب المؤدي إليها لم يُؤخذ به . فإن مَن يزرع الشوك : لا يحصد به عنبا . وعكس ذلك حصاد رسول الله – عليه وعلى المُرسَلين السلام - الذي أثمرته الكلمة الطيبة المطبقة التي أصلها ثابت (وهو نص كلمات كتاب الله سبحانه الذي هو أحسن الحديث) وفرعها المتجدد المثمر في السماء . فما الفرق بين الزرعيْن الذي كان بسببه هذا الفرق بين الحصادين ؟؟!!!
*****
كثيرا ما يردد الإسلاميون عبارتين أساسيتين في العمل الإسلامي- وحتى المعلمون في المدارس- ثم نجدهم يخالفونهما عن غير وعي ، وقلما يستفيدون عمليا منهما. إحداهما عن الرسول النبي الذي (كان خُلُقه/دينُه القرآن) والثانية عن الصحابة الكرام – رضي الله سبحانه عنهم- الذين كانوا بتزكية الله لهم في كتابه الكريم جيلا متميزا عن كل ما سواه من الأجيال. فقد كانوا ( مصاحف تمشي على الأرض).
ومع معرفة الإسلاميين بهذا إلاّ أنهم لم يستفيدوا من مفهوم هاتين العبارتين بأنّ تغيير ما بأنفُس الناس وبناءَ شخصياتهم ينبغي أن يكون له أساس نظري واحد ، أي مرجعية نظرية واحدة1 هي نصوص/كلماتُ آيات كتاب الله الثابتةُ كلّها، لكن بفهم متجدد يُسهم الواقع المتجدد للإنسان في ايجاده. هذا هو نفسه الأساس الوحيد الذي التزم به (الرسول النبي) في دعوته التغييرية : النص الثابت ربّاني .. والفهم المثمر إنساني يناسب الواقع الذي عاشه الناس وقتئذ . فكان خطاب الرسول النبي الإسلامي ربانيا عصريا مناسبا للعصر بحيث فهِمه الناس وأثّر فيهم في فترة قياسية (22/سَنة) .
فلما غيّروا أداءهم .. غيّر الله سبحانه أوضاعهم في فترة قياسية كذلك (بين 610/م ـ 632/م) . بهذا كانت معجزة الرسول النبي مزدوجة :
(1) معجزةً في عَظَمة النص القرآني الرباني الذي اتى به الرسول الكريم مِن عند الله ..
(2) ومعجزةً في سرعة إثمار التطبيق الإنساني الذي طبقه النبي الامين . فكان المفروض - ولدينا معجزتان - أن تكون إرجاعُ البناء والزرع أسهل وأسرع ، لا أن نرى البنيان ينهار في كل مرة لنكتشف أنه بُني [ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ ] ، ونرى الزرع بعد كل تجربة حصيدا كأن لم تغن أرضه بالأمس .
*****
نعم كان المفروض أن نستفيدَ من المثال التطبيقي المتميز الذي أنجزه [ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ] 29/الفتح ، والذي يمثل الحكمة النبوية التطبيقية في تطبيق كتاب الله العظيم في ذلك الواقع ... فنستفيدَ منه مِن مصدره الأوّل والأهمِّ القرآنِ العظيم ، كما نستفيد من الواقع الإنساني المتجدد لتكون الحصيلة خطابا إسلاميا ربانيا معاصرا صالحا .. فمؤثرا ومثمرا .
نعم ! كان المفروض أن نعرِض ما وصلنا من ذلك المثال التطبيقي ، وما أضيف إليه عبر القرون من زَبد وأكاذيبَ في المصادر الظنية ، نعرضه على كتاب الله العظيم اليقينيِّ وحده الذي جعله سبحانه مهيمنا على كل كتب الأرض ، لا يحكُمه ولا يحكم شيئا منه أيّةُ كلمة قبله منسوبةٍ إلى الله ولا بعده منسوبةٍ إلى أيّ بشر !!
نعم ! كان المفروض أن يُعرض كل ذلك على كتاب الله العظيمِ وتُغربل دقائقه بغربال آيات القرآن الكريم ، ليذهب – بتعليمه ودراسته - جُفاء كل ما علق بسيله النافع من زبد كثير ، ربا حتى طغى على ما ينفع الناس مما أنزله الله تعالى في كتابه العظيم الموثق الذي [ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ] لا من مادة الأرض فقط ، بل من كل الكتب ومصادر المعلومات التي لا جناح علينا أن ندرسها ونطّلع على ما فيها بشرط أنْ نردها إلى الكتاب المنهجي الوحيد الذي هو أصل كل كلمة طيبة [ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ] . بهذا أوصى رب العزة سبحانه المؤمنين على لسان كل رسله وانبيائه :
* [… وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ (1) بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ (2) وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79) ] آل عمران
الله يقول : كونوا ربانيين لا سلفيين
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=3&cat=2
*****
فالمُعلِّم الرباني الذي نسبه الله سبحانه إلى نفسه هو الذي يُعلِّم الكتاب فقط ، ولكنه يدرس كل شيء – واقعٍ متجدد أو كتاب - لفهْم كتاب الله المنهجي . لهذا يقول الله سبحانه (تدْرُسُونَ) وليس (تدرسونه) فقط . بهذا يكون أيُّ بناء سليم نبنيه مؤسَّسا على تقوى من الله ورضوان ، أي على كتابه الكريم الذي به وحده نضمن أن يكون الأساس متجانسا حتى لا يتصدّع ، ليحوز على شهادة رضوان الله عنه كما فعل ( الرسول النبي ) أول مرة .
(3)
المرجعُ الأولُ الصحيحُ كلُّه لسيرة [ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ]
أمر الله سبحانه رسوله الكريم أن يقتدي بهُدى الرسل من قبله الموثق في القرآن الكريم والذي هو هُـدى الله سبحانه :
* [ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْـنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِـكَافِرِينَ (89) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ : لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ(90) ] الأنعام .
والدعاة مأمورون أن يكون لهم [ في رَسولِ اللهِ أُسْوةٌ حَسَنةٌ ] فلا يَسألوا على الدعوة أجرا . وإذا كان الله سبحانه قد أرشده إلى أن سِير الرسل وهُداهم الذي أُمر أن يقتدي به ، هو هُدى اللهِ الموثق في القرآن العظيم وليس في الكتب والأسفار السابقة ولا اللاحقة ، فإن الله عز وجل قد أمر رسوله الكريم أن يقول لأهل عصره ولكل الناس الذين يرغبون في معرفة هُدى الرسل وسِيَرِهم وهُدى ( الرسول النبي ) وسيرته وسيرة أصحابه : إنّ كل ذلك موجود حقَّ اليقين في القرآن الكريم2 لا ظنا واباطيل كما هي في الاف الاسفار :
* [ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ(24) ] الأنبياء .
نعم ! أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون عن الكتاب العظيم كإعراض أكثرنا اليوم ، مع أنه شرف لا يدانيه شرف أن يكتب الله سبحانه بنفسه وبلسان عربي مبين مذكراتِ الرسولِ النبي الكريم وقومِه من العرب وأن يوثقها في كتابه الكريم. لذلك منَّ الله عليه وعليهم وحمّلهم مسؤولية هذا الذكر :
* [ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(44) ] الزخرف .
(4)
بدايةُ الخلل
* [ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا…(114) ] الأنعام .
وفي قوله الموثق الذي يرويه عنه ربه سبحانه وصية للمسلمين من بعده :
* [ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10) ] الشورى .
فإذا كان الرسول النبي نفسه ينيب ويرجع الى الله ربه في كل شيء ، فهلّا انـبْنا ورجعنا الى مَن كان الرسول النبي نفسه يُنيب اليه !!
*****
وقد ظل القرآن الكريم مرجع المسلمين الوحيد في الأحكام الشرعية النظرية (القانون) كما كان الحال في حياة الرسول النبي ، ظل القرءانُ كذلك ما بقي الصحابة والتابعون الذين زكاهم الله سبحانه بنص كتابه الكريم وفي اكثر من موقع . وحين بدأ بعض المسلمين يستبدلون الذي هو أدنى (الحديث) بالذي هو خير (القرآن) بدوافع منها السهولة ومنها إمكانية الكذب على النبي لتأييد هذه الفرقة أو تلك ، بينما لم يكن ممكنا أن يكذب أحد على الله ورسوله بعد أن أحكم اللهُ أيْ أغلق نصوص آياتِ كتابه فلا إضافة ولا حذف... حين بدأ ذلك اتخذ الواعون من أمثال ابن عباس موقفا سجّله مسلم في مقدمة كتابه ( الباب الرابع صفحة 13 ) :
* [ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ(170) ] الأعراف .
ولم يُذكر أجر المصلحين في كل كتاب الله سبحانه إلا في هذه الآية الكريمة .
(5)
بدايةُ الخلل عند أهل الكتابيْن
بداية الخلل عند أهل الكتابين
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=60&cat=6
بعد انقضاء عصر التابعين الذين انفرد الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه عن غيره من الفقهاء بأنه منهم ، بدأ ينطبق على المسلمين ما وقع فيه مَن سبقوهم من أهل الكتاب الذين حُمّلوا التوراة أي طلب منهم دراستُها وفهمها والعمل بها ولكنهم لم يحملوها – على خفة حملها - وفضّلوا عليها أسفار أحبارهم ورهبانهم بآلافها ، فلم تفدهم ، بل أدّى انسلاخهم من آيات الله التي فيها إلى وقوعهم فريسة للشيطان والغواية :
* [ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ (أ) يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ (د) وَيُزَكِّيهِمْ (ب) وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ (ج) وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5) ] الجمعة .
*****
* [ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176) ] البقرة
* [ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ …(213) ] البقرة .
(6)
أجْرُ المُصلِحين
لو تمسك المسلمون بعد انقضاء عصر التابعين بالكتاب وحاولوا فهمه وتدبروه كما أمَرهم مُنزله سبحانه الذي أورثهم الأرض ، وكما أوصاهم الرسول الكريم.. لوجدوا أن الله سبحانه لم يذكر (أجرَ المصلحين) إلا مرة واحدة في كل آيات الكتاب ليلفت الانتباه إلى ارتباط الإصلاح بالتمسك بالكتاب دون سواه ، وليس بما فعل مَن قبْلنا الذين حَذرنا الله سبحانه مرارا من اتباع سُننهم التي سنّوها مخالفين أمر ربهم بحيث انطبقت عليهم سُنن الله في العقوبة . فقد حذرَنا اللهُ باسلوب العرب وغير العرب ( إياكِ اعني واسمعي يا جارة ) :
* [ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُـضِيعُ أَجـْرَ الْمـُصْلِحِينَ(170) ] الأعراف .
أليس هذا حال المسلمين التراثيين منذ قرون وحتى اللحظة ؟! لقد ورثوا الكتاب الكريم ودرسوا ما فيه ولكنهم اتخذوه عند الخلاف والعمل مهجورا، ونبذوه وراء ظهورهم عمليا، مكتفين بقراءته على الأموات والتبرك به . يتجادلون هل يحل أو لا يحل أخذ الأجر على الرُقية به ، مفضلين حديثا نُسب افتراء إلى الرسول الصادق الكريم على أمْر الله له ولنا بالإقتداء بهُدى الرسل الكرام مِـن قبله الذي هو هُدى الله :
* [… قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ(90) ] الأنعام .
وقد تكرر مثل هذا النص ليردع كل مؤمن عن الارتزاق بالقرءان :
* [ قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(47) ] سبأ
إن هذا المفهوم هو هُدى الرسل والنبيين المشترك بينهم ، بعد وصيتهم المشتركة لكل المؤمنين بان يكونوا ربانيين يُعلّمون الكتاب فقط ويدرسونه ويدرسون كل ما يُعين على فهمه4 .
لا أسألكم عليه أجرا ، ولا أقول لكم عندي خزائن
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=241&cat=2
(7)
ربوبيةُ الأحبارِ والرهبان
بسبب هجْرِ المسلمين كتاب الله عمليا ونبْذِه وراء ظهورهم نسُوا حظا أساسيا مما ذُكروا به بأنّ أهل الكتاب نسبوا إلى الله تعالى أبناء وشركاءً مضاهأة وتشبها بالمشركين حين اتخذوا المسيح واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، أحلّوا لهم وحرّموا عليهم ما لم ينزِّل الله سبحانه به سلطانا وكتابا مبينا ، فضلّوا وأضلّوا، مع أنهم لم يُصلّوا لهم ولم يقولوا صراحة أنهم أرباب :
* [ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31) ] التوبة .
لهذا حذّر عمر بن الخطاب المسلمين – في خبر تاريخي ينسجم مع النَّص القرءاني - قائلا :
( إنما أهلك مَن كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم وأساقفتهم، وتركوا التوراة والإنجيل حتى درس وذهب ما فيه من العلم!) تاريخ الإسلام السياسي … ج1 ص251 .
(8)
الرسول النبي الكريم
أوصى بكتاب الله فقط عاصماً من الضلال
لم يكن موقف عمر بن الخطاب – وهو مَن هو- من كتاب الله تعالى من فراغ ، فقد كان رضي الله عنه وقّافا قَدْر استطاعته على كتاب الله سبحانه، الذي أغنى به ربُّ العزة الناسَ عن كل معجزة ، وجعله مهيمنا على ما سواه :
* [ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(51) ] العنكبوت
فقد عَرف عُمر ككل أو جلّ الصحابة الكرام أن هناك فرقا بين الكتاب والحكمة ، الرسالة والنبوة … وهو الفرق الذي عرفَه العالَم المعاصر واضحا بين النظرية والتطبيق سواء في العلوم المادية التي يُميَّز فيها بين العلم النظري Pure Science وبين العلم التطبيقي أي التكنولوجيا Technology المتغيّرة .. وبين العالِم النظري Scientist والمهندس التطبيقي Engineer . وهو الفرق نفسه في المعارف الإنسانية بين التشريع أي القانون الذي يتصف بالثبات وبين الأنظمة الإدارية التي تضعها السلطة التنفيذية أي الحاكم وليس السلطة التشريعية أو البرلمان. فالتشريع أو القانون لا يُعدِّل فيه إلا المشرع ، أما الأنظمة الإدارية التنفيذية التطبيقية فتعدِّل فيها السلطة التنفيذية حسب الواقع والظروف دون أن تخرج بأي منها عن القانون التشريعي أو روحِه
*****
وقد عرف الرسول النبي نفسه هذا الفرق فعرف أنّ القرآن نفسه الذي نُزّل على الرسول تنزيلا هو التشريع الثابت وإن كانت فيه أمثلة تطبيقية تُفهم كأمثلة (مِثل رباط الخيل …) وأنّ بيانه عليه السلام وتطبيقاته لهذا القرءان هي الحكمة النبوية التطبيقية التي بعضها وحي رباني غير موثق، وبعضه اجتهادي منه ، والصنفان كلاهما تطبيق محكوم بالواقع بكل أبعاده . أما القدْر الإنساني العام من الحكمة فقد وثقه الله سبحانه في الكتاب ليصبح جزءا منه. وقد أدرك خطورة أنْ يخلط المسلمون مِن بعده بين الأمرين: الكتاب الذي هو رسالته وبه صار رسولا الى العالمين ولا يزال ، والحكمة التي هي تطبيق الكتاب وبيانه، وبها كان نبيا وحاكما وقاضيا متميزا أصاب وأخطأ فصوّبه ربه قرءانا . وقد قضى الله سبحانه لذلك أن يختم النبوات به ، وأن تظل رسالته (القرآن) خالدة موثقة توثيقا يقينيا أبد الدهر، إليها فقط يرجع عند الإختلاف :
* [ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(213) ] البقرة .
*****
فهذا عمر نفسه يرى أنه لا داعي لتدخل النبي نفسه في أخطر أمر سيُهم المسلمين بعد ساعة من وفاته ، لأنّ كتاب الله يكفي !
إن هذا الموقف الخطير الدلالة من النبي الامين وهو في آخر عهده من الدنيا، وكذلك موقف رجل كعمر حضره كبار الصحابة لَيدحض الحديث المفترى على النبي الامين الذي زعم واضعوه أنه أضاف سُنّةً له إلى كتاب الله تعالى وأَشركَها معه كعاصم من الضلال. ففي كتابَي البخاري ومسلم لم يرد مطلقا أيُّ حديث يضيف سُنّةً له إلى كتاب الله تعالى. أما في المقتطفات التي أوردها مسلم من خطبة حجة الوداع فلم يُشرك الرسول النبي مع كتاب الله تعالى أيّ شيء في وصيّته للمسلمين كعاصم من الضلال : (2137 … وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ الله ) .
فلم تصح إضافة (سنتي) لا في كتاب البخاري أصلا ولا في كتاب مسلم . وصح عند الاثنين الوصية بكتاب الله تعالى . هذا ما يليق بالرسول النبي الكريم الذي أُمر أن يُبلغ ( ما أنزِلَ إليه ) من ربه دون زيادة ولا نقصان ، وأنّه إن لم يلتزم بذلك فما بلّغ رسالة ربه . ولو أنه لم يُبلِّغ (بعض ما أنزل الله) إليه ، أو أضاف إليه كلمة واحدة لما اعتبر مبلِّغا رسالة الله ولما ظل رسولا :
[ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ …(67) ] المائدة .
* [ … وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ …(19) ] الأنعام .
الكتاب والحكمة/ التوراة والإنجيل ..
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=1&cat=5
والنص واضح في أنه لم يُؤمَر أن يبلِّغ غير القرآن، ولم يُسمح له بتبليغ غيره ، كما أنه التزم بذلك فلم يبلِّغ شيئا سواه . وبذلك نعلم أنه ليس لهذه الإضافة من مرجعية سوى أنها مما [ وجَدْنا عليْه آباءَنا ] ، رسخت حتى صارت عِجلاً يُعبد ربا مع الله رب العالمين بعد فترة البخاري ومسلم ، أي بعد اكثر من مئتين وخمسين سنة من الهجرة !!
*****
وفي الإتباع والتطبيق التزم عليه السلام بالقرآن الكريم إذْ أُنزل اليه مصدرا وحيداً للتشريع واول مصدر للتطبيق يليه الواقع المتجدد :
* [ …إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ …(50) ] الأنعام .
* [ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ {18} ] القيامة .
وكيف يتبع غير القرآن تشريعا وهو الذي أوصى المؤمنين أن يردوا كل خلاف إلى الله سبحانه أي إلى كتابه الكريم :
* [ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10) ] الشورى .
والمؤمنون مِن بعده ملزمون باتِّباعِ و تطبيق القرءان ، الذي اتَّبعه الرسول النبي الكريم وطبّقه والتزم به ، طاعةً لله سبحانه وهي طاعة لرسوله ( طاعةً واحدة ) :
* [ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(3) ] الأعراف . وهذا أمر مُوجَّه للرسول النبي وللمؤمنين على السواء !
فمن هم الأولياء الذين نُهي المؤمنون سلفا عن اتباعهم إن لم يكونوا أولئك الذين إذا سُئلوا عن شيء قالوا : قال فلان وروى علان ، بدلا مِن أن يقرعوا أسماع الناس بكلام رب العزة سبحانه كما فعل جبريل مع الرسول نفسه منذ الآية الأولى من الـقرآن الـكريم : [ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ] فذهب قائلا ( زمِّلوني ) مِن التأثر والخوف :
* [ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ] فاطر .
* [ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا(50) ] الفرقان .
(9)
الرسالة والنبوة
* [ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا (1) وَحْيًا أَوْ (2) مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ(3) يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ(51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) ] الشورى :
وحي الله سبحانه ووحي الشيطان
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=139&cat=5
فالنبي هو الذي يوحي الله سبحانه اليه بأفكار عملية حِكمية الهاما . اما الرسول من البشر فيرسل اليه رسولا من الملائكة ينقل اليه كلمات الله النصية بدقةِ مئةٍ من مئة . فإن لم يُنزلها الله سبحانه مكتوبة ككتاب موسى وإنجيل عيسى أمر رسوله بكتابتها فوراً وبالحرف كما اوحى الله بها اليه بالحرف . وفي الحالتين تُسمى ( كتابا ) . ودرجة رسول اعلى من درجة نبي ولا يكون ( الرسول ) من البشر الاّ من بعد انْ يكون نبيا محسنا قبل ذلك :
* [ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبـِّهِمْ يُؤْمِـنُونَ {154} ] الانعام .
* [ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً {45} ] الاحزاب .
*****
( القرآن ) هو اسم علَم للكتاب الذي أنزله الله سبحانه بواسطة رسوله جبريل على نبيه محمد عليه السلام فصار به رسولا، كما أن التوراة اسم علَم لكتاب موسى الذي أُنزل على موسى وما أُلحق به مِن ملاحق أنزلها الله على رُسل مِن بعده ، وكذلك الإنجيل اسم علَم لما أُنزل على عيسى حِكمة تطبيقيةً للتوراة في عصره . والقرءان بأسمائه المتعددة رسالة الرسول الكريم إلى الناس جميعا من العالَمين :
* [ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1) ] الفرقان .
* [… وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا(100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِـيَامَةِ حِمْلًا(101) ] طه .
فرسالة الرسول الكريم بالقرآن/الذِّكْر مستمرة ومتجددة إلى الناس جميعا في كل العصور. و ( العالَمين ) هم الناس جميعا في هاتين الايتين :
* [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(107) ] الأنبياء .
* [ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ {27} لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ {28} ] 81 .
* [… قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا…(158) ] الأعراف .
خلافا لنبوَّته التي كان بها رحمة لمن عاصروه من الذين آمنوا :
* [ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {61} ] التوبة .
إيذاء الرسول أكبر من إيذاء النبي
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=89&cat=4
والرسول الكريم بما أَنزلَ الله عليه قرآنا مطاع ومتبع أبد الدهر من كل مَن يؤمن بالقرآن الكريم ويتَّبعه ، لان طاعته فيما بلّغ عن ربه قرآنا هي طاعة لله سبحانه فيما انزل عليه قرآنا .. فهي طاعة واحدة . لذلك جاءت الايات التي امرت بطاعة الرسول تربطها بطاعة الله سبحانه ، ليكون الامر بهذا موجها للذين آمنوا من العالمين ومرتبطا بالذكر الذي هو للعالمين . أما في التبيين والتطبيق فقد كان بشرا نبيا مبيّنا لأهل عصره/للناس ، يبين لهم النص القراني المناسب للمسألة ، ويطبقه عليهم حسبما يقتضيه النص و الواقع :
* [ .. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44) ] النحل .
*****
نعم ! (للناس) وليس للناس جميعا ولا للعالَمين ! وليس في القرآن كله أن نبوة محمد عليه السلام بإيحاءاتها الشفهية غير الموثقة قرآناً .. كانت للعالَمين ، مع أنه كرسول بالقرءان ، وكذلك كلَّ رسل الله هم أسوة سلوكية حسنة كما وثقها القرآن الكريم لكل المؤمنين من العالَمين . لهذا جاء النص الرباني :
* [ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ…] ليربط صورته عليه السلام كرسول - هو أسوة حسنة - بما قاله الله سبحانه عنه في الكتاب لا بما وعتْه ذاكرات البشر ودوّنته كتب الحديث والتاريخ مما لا يليق كثير منه بأرفع نموذج بشري بشهادة الله سبحانه واعتراف المنصفين من الخصوم. (المائة الأوائل- د. مايكل هارت الأمريكي) .
(10)
تتابُعُ الرسالات السماوية
كانت الرسالات السماوية قبل رسالة الرسول الكريم بحاجة إلى نُبوّات متتابعة ، يبيّن كل نبي ما صعب فهمه على الناس من أمر الرسالة التي لم يُقصد بها أن تكون عامة ودائمة . لهذا كَثُر الأنبياء الرسل في أهل الكتاب الذين أُرسلوا بنبوّات تطبيقية وأحيانا برسالات خاصة تبين من الرسالة الأصلية التي نزلت على موسى ما اقتضاه الواقع . استمع إلى قول عيسى عليه السلام موثقا في القرآن الكريم :
* [ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيـعُونِ(63) ] الزخرف .
* [ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ…(68) ] المائدة .
لهذا جاء الإنجيل أكثرُه أمثلة حياتية وحكمة تطبيقية ، وما يبدو منه تشريعا هو بيان يناسب الواقع لما ورد في التوراة تصريحا او اشارة وتلميحا . وبمثل هذا جاء أنبياء بني إسرائيل .
*****
أما رسالة الله الى الرسول محمد فقد أُقتت لبداية نضج الإنسانية ، بعد أن تخطت مراحل الطفولة وخفة الشباب . لهذا أنزل الله سبحانه القرآن معجزا في صياغته بحيث خاطب به الخالق العظيم، الخبيرُ بما خلق، الإنسانَ في كل العصور والوقائع والمستويات، وهو خطاب لا تتأتى صياغته إلا مِن عالم بالغيب قدير، يعلم ما هو كائن إلى يوم الدين ليكون بنيانا ثابتا معجزا لا يتغير ( وفي مجلد واحد ) تبيانا لكل شيء يتغير ( لا تَسَعُهُ مكتبات ) . هذا هو مفهوم الاعجاز العصري في القران ، اذ لا يمكن لكاتب ان يكتب كتابا بهذه الخاصية ولا بشيء منها :
* [ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً {82 { ] النساء .
أضواء جديدة على تاريخ فلسطين
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=19&cat=2
وقد بث الخالق سبحانه في كتابه القرآن ما احتاجه الناس وقت إنزاله ، وما علم أنهم سيحتاجون معرفته في المستقبل من تشريع وبيان وقدْر كبير من الحكمة التطبيقية ، وأمَر الرسول النبيَّ الكريم أن يبين للناس في عصره ما احتاجوا إلى بيانه، سواء مِن النص يتلوه تلاوةً أو مفهومه على ضوء واقعهم ، ونهاهم عن السؤال عما لم يحتاجوه ، لأن الله سبحانه كان ينزِّل من القرآن ما احتاجه الناس في وقت حاجتهم إلى معرفته :
* [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101) ] المائدة .
لهذا قال العبد الصالح لموسى عليه السلام مشترطا عليه عدم استباق الأحداث وعدم السؤال عن شيء إلا حينما يُخبره به في وقته المناسب :
* [ قَالَ فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا(70) ] الكهف .
*****
وحين أكمل الله سبحانه الدين الذي هو كتابُ اللهِ العظيمُِ وأتمَّ على الناس نعمته بإنزال كل ما احتاجه الناس آنذاك لحسم خلافاتهم وسيحتاجونه في المستقبل.. كان القرآن الكريم مرتلا ومرتبا ومنجما بطريقة تعين الناس على تفسير بعضه ببعض، وعلى فَهم إشارات نصوصه، وحل رموزه كلٍّ في وقته بما يُغني بذاته ونبوءاته وبنمو معارف الإنسان ومداركه وقدراته على فهمه، وبما يُغني عن استمرار بعْث النبيّين. لهذا ختم الله سبحانه النبوات بنبوة محمد عليه السلام اعتمادا على ما في القرءان مِن نبوءات مُشفَّرة لا يعلم عددها إلاّ الله !!
حقيقة بعث وقيامة وظهور المسيح
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=5&cat=6
من أجل هذا جاء النص القرآني الرباني يقول :
* [ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(40) ] الأحزاب .
فقد أشار الله سبحانه صراحة إلى أن محمدا هو خاتم النبيين، ومفهوم هذا أنّ النبوة بل النبوات كلها بأشخاص نبيين قد انقطعت وانتهت بوفاته ولم يعد الناس بحاجة إلى أنبياء ولا الى رسل باشخاصهم ، وإلا لأبقاه حيا أو أرسل أنبياء مجددين كما أرسل الى بني إسرائيل . أما رسالته عليه السلام فلم تنته بموت النبي محمد بل بقيت خالدة أمر الله سبحانه بتوثيقها بالكلمة والحرف منذ اللحظة الأولى لنزول آيات القرآن الكريم ، وتكفَّل الله سبحانه بحفظ نصوصها نقيةً خالصة مُحكمة النص والترتيب إلى يوم القيامة ، بحيث لا يتطرق إلى ذهن المؤمن لحظةً واحدة أدنى شك بآية واحدة منه ، بل ولا بكلمة . لأنه لو تطرق إليه الاحتمال لبطل به الاستدلال .
*****
من هنا كان النص القرآني وحدَه هو القابل للاستنباط منه ، خلافا للقول التراثي المدمِّر ( لا اجتهاد في مورد النص ) . وقد جعل الله سبحانه نصوص الآيات ثابتة لا يعتريها التغيير، وشبَّهها بأصل الشجرة الطيبة الثابت . وجعل مفاهيم النصوص متغيرة بحدود، حسب الواقع المتجدد، كفرع الشجرة التي تُؤتي أُكلها إذا كان متجددا . أما الفرع القديم فإما أن يحمل فرعا جديدا يثمر وإما أن يتحول إلى حطب يابس يُشكل جزءا من الزبد الذي أشار الله سبحانه إليه بأنه يذهب جُفاء كإسلام بل إسلامات الزَّبد الذي وجد الناس عليها آباءهم منذ قرون :
جواب السؤال الصعب أين الخلل ؟
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=11&cat=2
فالقران الكريم حقيقةً هو رسالات تتجدد حسب الواقعات الإنسانية مع أن نصوصه ثابتة ولهذا لم يُشر الله سبحانه إلى ختم مفاهيم نصوصه وإن كان قد أشار إلى ختم وإحكام نصوصه التي هي القدر الثابت في الحضارة الإسلامية العالمية ممثلا للأصالة فيها .. بينما يمثل الفهم الإنساني المتجدد لهذه النصوص عنصر التجديد والتغيير، الذي بدونه تصبح حياة المسلمين بائسة متخلفة كحالهم اليوم بعد أن كفّوا عن رعاية الشجرة الطيبة حتى أضحت ساقا جافة لا فروع لها جديدة تحمل ثمرا، وإن حملت فهو ثمر ضعيف لا يشتهيه الناس .
إن الانسلاخ من آيات الله سبحانه له نتيجة معروفة : يُتبعُ الشيطانُ الرجلَ المنسلخَ منها .. يُتبعه للشيطان حتى يجعله من الغاوين (بدلا من أن يرتفع بفهم آيات الله تعالى وتطبيقها) وعند ذلك يُتبعه الشيطان آلاف أو ملايين الأتباع كما هو ملاحظ :
* [ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) ] الأعراف .
(11)
الرسالةُ/التشريعُ
أودع الله سبحانه التشريع النظري الإنساني الذي يحدد معالم القانون الذي شرعه الخالق سبحانه ليتعامل به الإنسان مع الإنسان إجمالا وتفصيلا .. أودعه في القرآن الكريم . وترك للإنسان أن يكتشف بنفسه أكثرَ قوانين المادة وكيفيةَ تعامله معها. كما أودع في القرآن الكريم شيئا من الحكمة التطبيقية التي يحتاجها الإنسان لتطبيق التشريع كأمثلة ، وترك له أن يُضيف إليها طرقا حكمية اجتهادية تتعلق بوسائل وأساليب التنفيذ في الواقع المتغير .
كما أشار عليه في المقابل بكثير من الإشارات اللطيفة التي تحكم علاقته بالمادة مما يمكن أن يختلف الناس عليه . ولكنه جعل هذه الإشارات (مشفَّرة) لا يحلّها ويفك رموزها ويعرف مفاهيمها إلا مَن آمن بوجودها في القرآن الكريم ، وآمنَ أن القرءان تبيان فعلي لكل شيء يمكن ان يختلف الناس فيه ، ومَن أدرك مقدار أهمية ما يصدر عن الخالق بالنسبة لما يعرفه المخلوق ، ومَن سعى واجتهد وأخذ بأسباب فهم المقروء وحل الرموز فأمده الله سبحانه بعلم من لدنه وفتح عليه بما ينفع به نفسه والناس.
خمس حقائق عن القرءان لا بد أن تُعرف
http://kuno-rabbaniyeen.org/Default.asp?page=details&newsID=152&cat=5
فالقرآن الكريم هو رسالة الرسول الكريم إلى العالَمين ، به كان رسولا ولا يزال . أُمر أن يكون أمينا صادقا في تبَـلُّّغه عن جبريل عليه السلام عن رب العزة سبحانه لذلك شهد الله سبحانه ان القرآن هو قول الله وقول رسوله الكريم جبريل وقول رسوله محمد قولاً واحداً . وفي هذا التبَـلُّغ لم ولن يخلفه أحد :
* [ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) ] الرعد .
ومَن عندَه علم الكتاب بحقيقته وقَدْره وبأنه من الله سبحانه هو :
(1) جبريل عليه سلام الله ، بعد الله عزّ وجل ، وكذلك
(2) مَن آمن بالكتاب وحده وأنه لا إيمان بكلامٍ غيرِه ، وشهد بأن الرسول هو [ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً ] . فهو رسول من الله ينوب عنه حال تلاوة آياته . لذلك قال له من البداية [ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} ] العلق ، أيْ وربَُّك الأكرم معك . فكان إذا قرأ القرءان قرأه بمعيّة ربه حتى لا يضل ولا ينسى . وأُمر أن يبلِّغه للناس وينذرهم به بأمانة مطلقة .
وهو في هذا معصوم من أي خطأ في التبلُّغ أو التبليغ ، لا يزيد عليه حرفاً ولا ينقص منه. ولهذا عصمه الله سبحانه من الناس . ولو لم يفعل هذا بدقة وأمانة لا يتطرق إليهما أدنى شك لَما اعتُبر مُبلغا رسالة ربِّه .. ولما ظلّ رسولا .. ولا استحق أن يعصمه اللهُ من الناس . فعلامته في التبلغ والتبليغ (وهما موضوع رسالته) هي مئة من مئة .
* [ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ..(67) ] المائدة .
* [ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ…(99) ] المائدة .
* [ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ(40) ] الرعد
أيْ أن مهمتك أن تبلغ الرسالة تلاوةً ، أمّا حساب النتائج وحساب المبلَّغين فعلينا .
*****
وفي تحديد وتبيين ما أُنزل إليه من ربه يقول الله سبحانه :
* [ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) ] يوسف .
* [ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ…(51) ] العنكبوت .
* [ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) ] طه .
* [ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ] النجم .
وردت كلمة ( وحْي ) بالاسم في الكتاب مرتين فقط ، هنا وفي قوله سبحانه :
* [ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ…(45) ] الأنبياء .
أيْ أُنذِرُكُمْ بالقرآن .
فالوحـي الذي يوحَى هنا فما ينطق به الرسول عن الهوى هو القرآن فـقط الذي كان الإنذار والتبشير والتذكير محصورا كله به . يقول الله سبحانه في تبيين ما أوحي إلى الرسول ليُنذر به
* [ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ…(19) ] الأنعام .
*****
فالرسول الكريم مُبلِّغ القرآن الكريم للعالَمين ومُنذرهم به إلى يوم القيامة وهذه هي المهمة الأولى والأهم لمحمد رسول الله . وقوله سبحانه : ( وَمَن بَلَغ ) من مثاني القرآن الكريم ، أيْ مَـن بلغه القرآن وكان بالغا سن التكليف فإني مبلِّغه إياه ومنذره به . فمهمة الرسول الكريم الأولى ومهمة الدعاةِ من بعده أن يبلغوا آياتِ الله سبحانه لأنفسهم أوّلا :
* [ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ {14} ] الأنعام .
فكانوا أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ بحُسن تطبيقها على أنفسهم أوّلاً ليكونوا أُسوة حسنةً . وهذه أوّل الحكمة ثم بالموعظة الحسنة من كتاب الله ثانيا . فإذا كان جدال مع مخالفين فبالتي هي أحسن من القرآن الكريم الذي هو أحسنُ الحديث . وعلى الدعاة ان يُمسّكوا الناس بما انزل الله قرانا لا بانفسهم :
* [ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…(125) ] النحل
ولم ينتقل الرسول بشخصه إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أكمل الله سبحانه كتاب المنهاج الإسلامي الخالد، موثقةً نصوصه كتابةً بل ومُنَجَمةً أي مرتبة كل مجموعة منها في سياق وأرقام ضمن سور لها سياقها وأرقامها وعددها و كلماتها وحروفها .. كل ذلك بحكمة توقيفية من الله سبحانه وقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الكتاب على النحو الذي ذكرنا، أي كما كان يـومَ فارق الرسول بشخصه الدنـيا.. ليـظل دلـيلاً Manual لمخلوقه الإنسان – ومن دون كل كتب الأرض- قطعيَّ الثبوت عن رب العزة سبحانه، لا شبهة في ثبوته ولا في نصوصه إلى يوم الدين .
*****
وللمسلمين الآن المهتمين بكتاب الله تعالى وبما فيه من حقائق قطعية مِيزة على أبناء الأمة الأقدمين هي توفُّر هذا (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) الذي هو أصلا من عمل أحد المستشرقين النصارى الألمان منذ سنة 1842/م !
يوفر هذا الكتاب فرصة نادرة غير مسبوقة لتفسير القرآن بالقرآن والواقع عن طريق معرفة ومقارنة كل ألفاظ القرآن الكريم وأعدادها وسورها وآياتها وسياقها ونجومها بشكل يجعل استنباط مفاهيم دقيقة للألفاظ والآيات أمرا ميّسرا وفي حالات كثيرة إبداعيا غير مسبوق ، كما يلاحظ مَن يقرأ مقالات وأبحاث هذا الموقع . لكنَّ هذا لا يقدر عليه المُعرضون عن كتاب الله تعالى الذين يؤمنون بما افتُري على الله ورسوله غير القرآن :
* [ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا(57) ] الكهف .
* [ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ {21} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ {22} ] السجدة . نعوذ بالله سبحانه أن نكون منهم !
* [ .. وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ {103} إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {104} إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ {105} ] النحل .
(12)
البيان والتطبيق النبوي
السيرة النبوية
أما المهمة الثانية لمحمد النبي بعد مهمة التبليغ لمحمد الرسول فهي مهمة بيانِ(لا تفصيل) وتطبيقِِ القرآن الكريم كنبي وبشر . أما في مهمة بيان القرآن الكريم التي يُفترض ان يخلفه فيها أهل الفكر من اهل الذكر المهتمين بفهم آيات الله سبحانه ، فيقول الله تبارك اسمه :
* [… وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44) ] النحل .
ففي زمنه وعصره كان عليه السلام يُبين للناس ما احتاجوه من أحكام من مصدرها الوحيد وهو القرآن الكريم وحسْب واقِعهم. ومن بعده – وحتى في حياته - أُمر الناس أن يتفكروا في القرآن وأن يتدبروه ليستنبطوا مفاهيم نصوص آياته الثابتة حسْب الواقع المتجدد . ولا استنباط لتشريعٍ أو حقٍّ يدوم إلاّ من نص يقيني من كلمات الله وآياته :
* [ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(164) ] آل عمران .
*****
والكتاب هنا هو التشريع النظري المُوثقةُ كلماتُه كتابةً (النظرية) ، والحكمة هي (التطبيق) المُتغير . ويُلاحظ أنّ التزكية وهي التطهُّر بالإيمان التي هي أساس التربية والفلاح وتغيير ما بالنفس ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) .. إنما كانت بآيات الله سبحانه فقط : كانت آيات الله تعالى بذْر الزرع الذي [ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ] فكان الحصاد متميزا. كان البَذْرُ إسلاما خالصاً رضيه الله تعالى [ وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ] فكان الحصاد عزة وقوة وغِنى وخيرا حاز على شهادة رضوان الله سبحانه فمُلئت بها الأرض خيرا وعدلا. ويقينا إن إسلام المسلمين الموروث اليوم هو نتيجة بذْر آخر. لهذا كان الحصاد الحالي ذلة وهوانا وضعفا وفرقة وفقرا : فلا البذار هو البذار، ولا الحصاد هو الحصاد!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* [.. وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(89) ] النحل .
* [ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ(45) ] ق .
* [… وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79) ] آل عمران .
*****
وفي مهمة التطبيق اتبع النبي الامين القرآن العظيم وطبقه على نفسه وأهله أوَّلا بحيث كان خُلُقه/دينه القرآن .. وعلى أصحابه بحيث صاروا مصاحف تمشي على الأرض مع كونهم بشرا أصابوا وأخطأوا .. وعلى تابعي الدولة الإسلامية بوصفه رأسَ القيادة السياسية والعسكرية ، ورأسَ السلطة القضائية . وفي هذه المهمة – التطبيق العام - وَرِثه أولوا الأمر مِن المؤمنين . لهذا رُبطت طاعة الذين آمنوا لأولي الأمر منهم بطاعة هؤلاء للرسول في حياته ورسالته القرءان في حياته وبعد وفاته .. كما رُبطت طاعة الرسول وأولي الأمر من الذين آمنوا بطاعة الله سبحانه أوَّلا. فجاء الأمر دائما بطاعة الرسول ، ولم يأت ولا مرة واحدة مربوطا بالنبي ، إشارة إلى أن الرسول حتى في حياته كان يستمد شرعية طاعة الناس له من طاعته لله فيما أنزل عليه قرءانا .
*****
ولم يرِد مطلقا أن الرسول الكريم أوجب على الناس طاعته في أمر لم يرد فيه نص كتابي في القرآن الكريم. وصُلح الحديبية ، ومسألة سكوته عن خلافته من أوضح الأدلة على أنه التزم بتشريع المشرع وهو الله الذي أنزل القرآن ليكون به صاحب الحق الوحيد في التشريع . والفرق بين التشريع وقوانينه ، والتنفيذ أو التطبيق وأنظمته وتعليماته واضح في هذا العصر. ومن المؤسف أنه لم يكن واضحا في السابق. لهذا نشأ الخلط بين العمل وطريقة أدائه وبين الكتاب والحكمة، النظرية والتطبيق، الرسالة والنبوة ، الثابت والمتغير ، الأصالة والتجديد .. حتى وصلْنا إلى ما نحن فيه من الخلط والتخلف والتمسك بالزبد والخرافات بدلا من التمسك بالكتاب كما أمر الله سبحانه :
* [ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ(44)] الزخرف .
* [ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ(170) ] الأعراف .
وكيف لا يُمسّك المؤمنون والمصلحون بالكتاب وهم يسمعون قول الله سبحانه الذي هو قول رسوله الكريم يتلوه ويبلغه للناس عن ربه :
* [… وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ… ] الأنعام .
* [ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ …(31) ] فاطر.
* [ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ…(27) ] الكهف .
* [ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ : مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) ] يونس .
*****
فما ظن الذين يكذبون على الله ورسوله مفترين عليه أنه أُوتي القرآن ومثله معه وهم يتلون الكتاب ؟ أفلا يعقلون !!
* [ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْـضٍ ظَهِيرًا(88) ] الإسراء
* [ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبـِّكَ فـَلَا تَـكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِيـنَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (87) ] القصص .
أفيَفرِض اللهُ القرآنَ على رسوله
ويحذره من أن يصده الكافرون عن آياته
ثم يقبل منا غيره !!!!!
* [ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(19) ] الرعد
(13)
التطبيقُ النبوي صنفان
للنبي الامين في التطبيق والحكمة دوران :
أ. دور هو فيه متَّبع للقرآن الكريم الذي أنزل الله فيه بالإضافة إلى النظرية التشريعية قدْرا من أساسيات الحكمة التطبيقية .. منها تلك الوصايا الحكمية السلوكية في سورة الإسراء بدْءا بالآية 22 [ وقضى ربك …] وانتهاء بالآية 38 التي تبين كيفية المِشية الصحيحة للمسلم .
هذه الوصايا الحكمية السلوكية تُذكرنا بالوصايا العشر التي اوتيها مَن قبلنا من اهل الكتاب والتي وثـقها الله سبحانه في الايات (151-153 ) من سورة الانعام فلما احسنها موسى أتمَّ ربُّه عليه نعمته بإنزال الكتاب . وفي ختامها يقول الله سبحانه :
* [ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) ] الإسراء .
فقد بدأ الله سبحانه هذا النجم من الآيات بتوحيد الله سبحانه وعدم الإشراك به وختَمه بالتحذير من الشرك توكيدا، ليكون التوحيد بدون شرْك رأس الحكمة التطبيقية وضامنها وماء حياتها الذي تحتاجه باستمرار لتظل صحيحة صالحةً . لأن توحيد الخالق سبحانه لم يتطرق إليه شك عند التفكُّر النظري، بل إنه كان ولا يزال يتعرض للخلل في نفوس الناس كرَبٍّ مدبِّر عند الفهم والتطبيق العملي الحياتي. لهذا يقول رَبُّ الناس الذي خلقهم فهو بهم عليم :
* [ وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ] يوسف .
وفي مِثل هذه الحكمة المنزلة في الكتاب يقول الله سبحانه :
* [… وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ… (113) ] النساء ، أي النظريةَ وتطبيقَها.
هذا القدْر من الحكمة – حُسنِ التطبيق- عام وإنساني ، لذلك وثقه الله سبحانه في كتابه الكريم . وإليه تُرد الأسوة السلوكية القرءانية الحسنة لرسول الله ، التي أمر الله سبحانه المؤمنين أن يقتدوا بها، لاتّصالها بالرسالة ، لا بخرافات إرضاع الكبير ولا بشُرب بول البعير ومِثلُهما كثير .
لذلك قال [ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ …] لتظل هذه الأسوة خالصةً بلا زبد ولا إضافات كما وثقها الله سبحانه في الكتاب، ايْ كلماتِ/نصوص الرسالة، ولم يجعلها الله سبحانه متصلة بالنبوة التي أُضيف إليها في كتب التاريخ زبد كثير ربا عبر قرون حتى طغى على ماء الحياة النافع الذي أنزله الله سبحانه من السماء خالصا مباركاً ، وظل في نصوص آيات كتابه خالصا مباركاً ينفع من يشاء أن ينتفع به !!!
* [ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار ُ(16) أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) [ الرعد .
يضرب اللهُ الحق والباطل مثلاً بالماء والزبد.. ويضربهما ببعضهما صراعا ليَميز الخبيثَ من الطيب :
وسيمكث كتابُ اللهِ العظيمُِ في الأرض لينفع الناس المؤمنين به، وسيذهب غيرُه جُفاء إلا ما أعان على فهم الكتاب . فالفرق كبير بين نبعٍ صاف ميسر وإن كان عميقا ، وبين قناة بعض مائها أصلا من مائة ولكنها قطعت ألفا وأربعمائة متر مكشوفةً فاحتملت من الزبد والتراب والشوائب ما يجعلها غير صالحة : مثَلُها كمثَل الخمر والميسر اثمهما اكبر من نفعهما !!!
بهذا الكتاب الذي هو فضل الله تعالى ورحمته أمَر الله سبحانه المؤمنين أن يفرحوا لا بما يجمعون من عرض الدنيا أو الكتب والأسفار التي تملأ المكتبات والبيوت لتُجمِّد عقولَ أصحابها وتُدمر خاصية التفكير فيها :
[ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58) ] يونس .
*****
ب. أما دور النبي الثاني في الحكمة التطبيقية فهو دور اجتهادي متأثر بالواقع ، يُتْبِعُ فيه أسباب الله من ايحاءات النبوة غير الموثقة ، يُتْبعها بأسباب بشرية من عنده ، كما آتى الله ذا القرنين ما ذكره قرءاناً :
* [… وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سـَبَبًا (85) ] .
وهي حكمة أعطى الله سبحانه نبيه منها أيحاء وإلهاما ما قد يُعطي شيئا منه لكثير من مخلوقاته ومن الناس المفكرين والمخترعين والمكتشفين وغيرِهم حسبما يراه الله الذي :
* [ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269) ] البقرة .
ولكن درجة النبي الامين من الحكمة التطبيقية والرقي السلوكي هي أعلى درجة يمكن أن يصل إليها بشر، وكل مَن عداه من غير النبيين هم دونه . بالإضافة إلى أنه كنبي لم يكن يُقرُّ ولا يُسْكت عنه إذا أخطأ في التطبيق بل كان يُصَوّب آخِر الأمر قرءانا . وهذه عصمة جزئية لم يمنحها الله سبحانه لغير الأنبياء . أما في الرسالة تبلغا وتبليغا فلم يكن يخطئ إطلاقا ولم يكن يجتهد بل كان عبدا ليس له من الأمر شيء ، اذ حفظ ربُّه الذكرَ الذي أُنزل عليه تشريعا او بيانا انسانيا عاما لآيات الكتاب الذي انزله الله سبحانه آياتٍ بيِّناتٍ وأخرى مبيناتٍ :
* [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْـعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَـنُهُمْ اللَّاعـِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) ] البقرة :
نداء إلى رجال الكهنوت من قبل فوات الأوان
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=124&cat=6
كانت التطبيقات النبوية الإجتهادية محكومة بواقع الناس في زمنه سواء بأساليب العمل أو وسائله وأدواته المادية أو الأمثلة التي كان يضربها للناس من واقعهم : مِن ذلك نَدْبُ الناس للصلاة في المسجد بنعالهم ، ودفنُ البُصاق في حصى المسجد ، ومسْح المخاط بطرف الثوب ، واستعمال السواك كأداة تنظيف للأسنان ، وتفسير القوة بأنها الرمي ، والإفطار بعد صيام على تمر، وتفسيرُ الصلاة الوسطى بصلاة العصر ، وتحديد طعام المسكين بصاع أو مدَّين من قمح أو تمر ، وتشبيه صاحب المسؤولية بالراعي ، ونهيُه مرة عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام ، واعتباره الطلقات الثلاث طلقة رجعية … إلى غير ذلكم من تعليمات تنفيذية – إن صحت - كان يُصدرها بأنظمة مؤقتة بظرفها ( كتلك التي تصدرها السلطات التنفيذية في عصرنا ) يَجمع فيها بين نصّين أو أكثر أو يختار نصا لواقع ثم يختار نصا آخر لواقع مختلف أو يرى أن النص يحتمل أكثر من فهْم و تطبيق فيتبنى واحدا من التطبيقات في ظرف وتطبيقا آخر في ظرف أو واقع مختلف .
ففي فترةٍ ما كان عليه السلام يأخذ بقول الله سبحانه :
* [ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ…(48) ] الأحزاب .
لذلك رفض معاقبة المنافقين ( حتى لا تتحدث العرب بأن محمدا يقتل أصحابه !) . وفي مرحلة لاحقة بعد أن ضعفوا ولم يعد لهم عذر أخذ بقول الله سبحانه:
* [ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ …(73) ] التوبة .
*****
وقد فعل عمر رضي الله عنه مثل ذلكم في أكثر من حُكم ، كحُكم الأراضي الخراجية ، والخلافة والطلقات الثلاث . ولم يكن ذلك يعني إلغاء أو نسخ أي نص مما نزله الله سبحانه في كتابه .. كما زعم كثير من المسلمين المُبطلين حين عجزوا عن فهم الكتاب ولم يفرِّقوا بين التشريع النظري وتطبيقاته العملية .
فالدعوة (مثلا) بالحكمة والموعظة الحسنة أي بالتطبيق الفردي في حينه والجماعي في حينه مصحوبا بالكلمة الطيّبة المطبقة هي الطريق الوحيد لدعوة الناس وإقناعهم بالسير في سبيل الله الموصل إلى رضاه ، ونحن لا نستطيع أن نقنع أحدا أو نُغريه بسلوك الطريق إلى الله سبحانه - وهو طريق الإسلام - إلاّ إذا كان الدعاة أنفُسهم معالم إرشاد على هذا الطريق لا صخورا تعيق الطريق وشوكا يصرف الناس عنه. حتى إذا ما كان المسلمون أنفسهم معالم إرشاد وكان غيرهم عقبات على سبيل الله وكان المسلمون يمتلكون آليات وأدوات إزالة العقبات استعملوها بالجهاد الدعوي السياسي او العسكري لإزالة تلك العقبات وليس للدعوة نفسها التي سيظل طريقها الحكمةَ والموعظة الحسنة لا تنسخها ولا تنسخ غيرها آية السيف ولا سواها كما زعم المبطلون!!
(14)
عِصمةُ الرسول
مع ان عصمة الله لرسوله التي وعده اياها في الاية (67) من المائدة والتي هي بيّنة بذاتها ، وتُبيِّنها آيات اخرى مثل الايات ( 194 –197 ) من الاعراف .. مع ان هذه العصمة هي وعد بحفظه من أذى الناس اذا بلّغ كل ما انزل اليه من ربه دون زيادة ولا نقصان .. إلا ان نفي الخطأ عنه في التبلّغ او التبليغ الذي عرف اصطلاحا بعصمة الرسول هو حق اكدته آيات اخرى وحقائق لأن الرسالة تنهار لو كان هناك احتمال ولو ضئيل في أنه – عمداً أو سهواً - قد بدّل أو غيّر أو أضاف أو أخفى كلمة واحدة مما نزل عليه في الكتاب . فهناك قاعدة فكرية شرعية وقانونية تقول : ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال! لهذا كانت كل الأوامر بطاعة الرسول مقرونة بطاعة الله التي لا نعرفها إلا من كتابه الذي انزله عليه .
*****
وحتى حينما كان الشيطان يُلقي في رُوعه – شأنه في ذلك شأن كل الرسل والأنبياء - عباراتٍ بقصد خلطها في كلمات الله اوإيحاءاته الحكمية (وقد منح الله سبحانه الشيطان القدرة على ذلكم بالإيحاء) كان الله سبحانه ينسخ ما يُلقي الشيطان في كلام الله واياته على الفور ، اما اذا كان القاء الشيطان في فهم الايات وتطبيقها – وهو امر اقل خطورة فقد كان النسخ يتأخر قليلا ثمّ يُحكم الله سبحانه آياته فَهْما وبآيات مبينات كما حصل في حكم رجم الزاني الذي تُفهم ملابساته من الايات (41-44) من سورة المائدة .
* [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) ] الحج .
الجديد عن مطلع العلق وآيات الحج 52- 53
http://kuno-rabbaniyeen.org/Default.asp?page=details&newsID=224&cat=2
وحي الله سبحانه ووحي الشيطان
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=139&cat=5
وقد ذُكر الشقاق البعيد في القرآن الكريم ثلاث مرات فقط ، كلُّها مرتبطة بالكفر أو التكذيب بآيات الله وإنكار أن القرآن هو مرجعية الحق المطلق مُعرَّفا (أَنَّهُ الْحَق) . وليس للنبي – في المقابل- مثل هذه العصمة في التطبيق ومنه القضاء . والحديث المنسوب إليه : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ) .. مأخوذ مفهومه من نص قول الحق في القرآن الكريم :
* [ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) ] النساء .
*****
(15)
مكانةُ الرسولِ عند اللهِ سبحانه
سوف تظل عبارة أبي بكر رضي الله عنه - وهو أقرب الناس إلى رسول الله عليه السلام وأحبُّهم له - عقب وفاة النبي الامين مَعْلما خالدا يردّ المؤمنين إلى حقيقة أنّ الله سبحانه هو الأصل وهو المعبود وأن أعلى مكانة لبشر بعده أنه عبد لله ورسولٌ ، وأن مَن يرفع أي بشر إلى شيء من مكانة الله الخالق أو يتخذه نِدّا في التشريع او يحبه كحب الله فهو يشرك بالله :
أيها الناس :
من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات،
ومن كان يعبد الله
فإن الله حيّ لا يموت .
وما كان لأبي بكر أن يكون مبتكرا ولا مخترعا لهذا المفهوم الراقي في التوحيد ولكنه كان متبعا لما في كتاب الله العظيم :
[ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) ] الصف :
كونوا أنصار الله : مفهومها
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=155&cat=3
فقد امتدح الله سبحانه موقف الحواريين الذين كان ردهم على دعوة رسولهم عيسى - عليه السلام - لهم أن يكونوا أنصاره إلى الله .. كان ردهم أنهم أنصار الله الذي هو الأصل .ومن أجله سينصرون رسوله في حياته وسيظلون أنصار الله سبحانه في غياب رسوله . بهذا الكلمات الربانية أقرّ الله سبحانه ما يُعرف الآن بالعمل المؤَسسي . وقد دعا اللهُ سبحانه الذين آمنوا أن يأخذوا عن الحواريين هذا الموقف المبدئي إذا أرادوا أن يظلوا صفا واحدا مربوطين بربهم الذي خلق ، فهو الحي الذي لا يموت . وإن وجود هذه الآية في ختام سورة الصف ذو دلالة عميقة :
* [ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165) ] البقرة .
*****
فهؤلاء يخلدون في النار مع حبهم لله سبحانه لأنهم اتخذوا الأنبياء والبشر أندادا لله في التشريع ! فكيف وهم يجعلون النبي فوق الله حين يزعمون أن حديثه ينسخ الآية من كلام الله ، أو ذكرتَ آية من كلام الله ولم تذكر معها حديثا مزعوما من أكاذيبهم ، أو ذكرت اللهَ سبحانه ولم تذكر النبي وتُصلِّ عليه عشرات المرات في المجلس كما يزعمون – تعالى اللهُ عما يقولون علوّا كبيرا !
* [ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) ] الأعراف .
* [ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هـُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) ] الزمر .
* [ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) ] يونس .
نعم ! القرآن الكريم (هو) خير مما يجمعون من عَرَض الدنيا ومادتها أو كتب وأسفارٍ ألّفها البشر حمَلوها بدل القرآن فصار مثَلهم بها كمَثل الحمار يحمل أسفارا :
* [ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ(12) ] غافر
* [ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً {46} ] الإسراء .
ألا تنطبق هذه الآيات الكريمة على الذين اذا ذكرتَ ربك وحده وقرأت القرءان وحده طالبوك بالسُنّة والحديث ولم يكفهم القرءان يُتلى عليهم ! وكذلك الذين يُصلون على النبي ( حسب ظنهم ) عشرات المرات في المجلس الواحد بينما لا يُكبِّرون الله تبارك وعلا مرة واحدة … وهم يتلون الكتاب الذي يأمر بذكر الله سبحانه وتسبيحه وتكبيره عشرات المرات بينما يأمر بالصلاة على النبي مرة واحدة في كل آيات الكتاب !!
*****
أمّا في الاتِّباع و التطبيق فإن مثلا واحدا له دلالته : كم من المسلمين التراثيين والإسلاميين خاصة يضع في جيبه سواكا ليتسوّك به بشكل منفر في كل الأوقات بحجة أنّ السواك سُنّة !! بينما كثير من متعلميهم ومعلميهم لا يحمل في جيبه قلما أقسم الله سبحانه به في كتابه الكريم ، مؤكدا أهميته القصوى في التعلّم والتعليم والحياة !
* [ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) ] القلم .
* [ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم ْ(5) ] العلق .
فسبحان الله العظيم !!
(16)
طاعةُ اللهِ تبارك اسمُه وطاعةُ الرسولِ الكريم
كل الآيات التي أمرت بطاعة الرسول الكريم ربطتها بطاعة الله أوَّلا ، سواء عطفت طاعة الرسول على طاعة الله كما في اكثر الحالات او ذكرت طاعة الرسول في سياق الامر بطاعة الله سبحانه . فهي طاعة واحدة لله عز وجل فيما أنزل قرءانا وللرسول فيما بلّغ عن ربه قرآنا وأَمر باتباعه مَن عاصروه ومَن بعدهم الى يوم الدين .
* [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) ] النساء .
المفهوم العام لآية الطاعة هذه أن طاعة أولي الأمر من الذين آمنوا في حياة الرسول الكريم هي طاعة للرسول نفسه [ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً {2} ] . وهي طاعةٌ لله سبحانه الذي أنزل الصحف المطهرة ، وأن طاعة الطرفين مشروطة بطاعة الله الذي هو الأصل . وطاعةُ الله سبحانه لا تُعرف إلا من الرسالة التي أنزلها على رسوله الكريم وهي القرآن العظيم .
ومفهومها الخاص أن الذين آمنوا في حياة الرسول الكريم في تنازعهم مع أولي الأمر منهم كان عليهم أن يتحاكموا إلى الرسول ليحكم بينهم بالقرءان . فإذا قضى أمرا من القرءان وجب عليهم الالتزام والتسليم به لأنه ما كان ليقضي أو يحكم كرسول إلاّ بكتاب الله العظيم :
[ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ] الأحزاب :
بديل ثقافة العنف لتغيير الأنظمة وإصلاحها
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=2&cat=5
وقد قرر الله عز وجل أنّ مَن لم يقبل بالتحاكم الى الرسول ويُسلِّمْ بحكمه في حياته لم يكن مؤمنا . ومِثل هذا – مع الفارق - مواطن في بلد لم يعجبه القضاء في بلده فلجأ إلى بلد أجنبي ليُحكّمه في قضيته فتُسقط عنه حكومة بلده جنسيتها ! أما بعد وفاته فلا يتصور عاقل أنه يستطيع بشخصه أن يقضي أو يحكم . ولذلك ينتقل وجوب طاعة الرسول بعد وفاته إلى رسالته وهي القرآن الكريم فقط17 الذي سماه الله سبحانه ( رسولا ) في الآية 11/ الطلاق :
* [ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً {10} رَّسُولاً {11} ] الطلاق
النبي محمد + ( وهو يتلو ) القرآن = الرسول
إذَن : الرسول – ( بدون) النبي محمد بعد وفاته = القرءان
* [ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) ] النساء .
والكلام هنا أوّلا عن (الرسول) المذكور في الآية (64) التي قبلها حين كان يحكم بتلاوة النص فقط ، ثم عن النبي الذي كان يجتهد في اتِّباع ما أنزل الله في كتابه الكريم ، وكان دوره كنبي فهْمَ النص بل النصوص المتعلقة بالمسألة على ضوء ملابساتها والواقع :
* [ وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) ] المائدة .
* [ وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {87} ] القصص .
*****
لكل هذا وذاك كان الرسول النبي [ أول المسلمين ] 163/الانعام ، أيْ انه كان النسخة الحِكمية التطبيقية الأولى او الأنموذج العملي الاول ( بالمفهوم التعليمي النظري او المفهوم الصناعي التطبيقي ) عن الاصل او المقياس الذي هو القرءان الكريم . وقد كانت النسخة الاولى عن الاصل الصحيح كالعادة صحيحة ومطابقة للأصل . وكذلك الانموذج الثاني الذي كان صحيحا لأنه أخذ عن الاصل وعن الانموذج الاول معا . وهؤلاء هم السابقون الاولون من المهاجرين والانصار الذين زكاهم الله سبحانه في الاية ( 100) من سورة التوبة . ويشير رقم الاية الى علامتهم .
اما النسخة او الانموذج الثالث الذي اخذ عن النسخة الثانية المزكاة فقد زكى الله منهم [ الذين اتبعوهم باحسان ] واعتبرهم منهم ( 2- 4 ) الجمعه . واما النُسخ بعد ذلك وحتى اليوم فقد صار كل جيل ينسخ عمن قبله فيضيف على كل نسخة قبله اخطاءها واخطاءه حتى تراكم الزبد واصبحت النُسخ المتأخرة لا تماثل في شيء النسخةَ الاولى ولا الثانية لا في(ما بأنفسهم) ولا في (ما بقوم) من أوضاع ، بل لا تمتُّ بأدنى صلة الى الأصل الذي هو كتاب الله العظيمُِ . وهؤلاء هم المقصودون بالآية الخامسة من سورة الجمعة الذين اعتبرهم اللهُ مكذبين بآيات الله ظالمين فصار مَثَلُهُم كمَثل من قبلهم :
* [ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {5} ] الجمعة .
(17)
الحُكمُ [ بما أنزلَ اللهُ ] : مفهومه الحق
وقد أُفهم عليه السلام - وينبغي لذلك أن يفهم المسلمون – أنّ من سبقوه من أهل الكتاب أُمروا أن يحكموا بما أنزل اللهُ أيْ بالكتاب المنزّل عليهم وأن يتحاكموا إلى حكم الله المنزل فيه بكلمات الله وليس إلى ما نُقل عن أنبيائهم دونه ولا إلى أحبارهم ورهبانهمالذين اتخذوهم أرباباً ، وكذلك الأمر بالنسبة للمسلمين .
* [… قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(93) ] آل عمران .
وكأنّ الله يقول للمسلمين التراثيين الذين يزعمون أنهم على خير : فأتوا بالقرءان فاتلوه إن كنتم صادقين !!
* [ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ..] المائدة.
* [ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) ] التوبة .
وحين اعترض عديّ بن حاتم – في خبر تاريحي يتفق مع القرءان - على إشارة الله سبحانه الى الذين اتخذوا الأحبار والرهبان أربابا بأنهم أشركوا، قائلا :
يا رسول الله ، ما عبدوهم ! روي عن النبي الامين ما مفهومه : بل حللوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال (أي شرّعوا لهم) فأطاعوهم ! فتلك عبادتهم إياهم18.
*****
وإذا كان الله سبحانه قد سفّه الذين لم يرضوا بحكم الرسول الكريم ملتمسين غيره ليحكم بينهم واعتبر هذا نقضا للإيمـان [ فلا وربك…(65) ] النساء .. فقد نعى الله سبحانه على أهل الكتاب أن يُحكّموا النبي – وهو مَن هو- في أمرٍ حُكم الله تعالى فيه مذكور عندهم في التوراة ( أي في كتاب الله حتى بعد هيمنة القرآن عليه - قبل نزول حكم الزنى فيه). فكيف بمن لا يرضون بحكم كتاب الله ويلتمسون الأحكام في كتب الأحاديث معتبرين القرآن وآياته طلاسم بعضها منسوخ وبعضها لا يمكن فهمه :
فحين لم يشأ اهل الكتاب تطبيق حكم الله في التوراة (الرجم!) على اثنين منهم زنيا قالوا : نتحاكم إلى محمد إذ لا بدّ أن يكون ما عنده من حكم الزنى( الذي كان آنذاك التوقيفَ في البيوت انتظارا لحُكم الله ) أخفّ من الرجم على كل حال . فقد جاء عليه السلام رسولا من الله ليضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). وقالوا لبعضهم :
* [… إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا…(41) ] المائدة .
فأنكر الله سبحانه عليهم أن يُحكّموا بشرا ولو نبيا كريما كمحمد عليه السلام بينما حكم الله موثق عندهم في التوراة :
* [ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ!! ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تخشوا الناس واخشونِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ (44) ] المائدة .
*****
تُبين الاية (44) أعلاه ان الحكم بما انزل الله سبحانه انما يحققه النبيون والعلماء الذين أسلموا من بعدهم .. فيحققونه بمعرفتهم آيات الكتاب التي تنطبق على المشكلة التي يَحضُرونها ويشهدونها بأنفسهم لا التي يسمعون عنها او يفترض احد حدوثها قبل ان تحدث . وقبل هذه الآيات كان حكم الزنى غير محدد . وغاية ما ورد فيه فرض الإقامة الجبرية – التوقيف - في البيوت على مَن تَثبت عليها الفاحشة (بأربعة شهداء) حتى تموت أو حتى ينزل حكم الله (15/ النساء) .
وحين نزلت الآية 43 من المائدة فَهِم النبي من نَصها وكأنّ حد الزنى الذي يوصي به الله سبحانه هو الرجم الذي ورد في التوراة أنه حُكم الله ، وأن التوراة فيها هدى ونور … فأخذ يرجم الزناة بما َفهم من نص الآية خاصة وأنه أوصى أهلَ الكتاب بتطبيق حكم الله كما هو في التوراة . ويبدو أن (ماعزا) كان أول من نُفِّذ فيه حكم الرجم بعد أن زنى بامرأة غاز في سبيل الله .
ولما نزلت آية النور بمطلعها الحاسم لم يرجم النبي بعدها أحداً وما كان له ان يفعل . وقد أورد البـخاري (6315) ومسلم (3214) في باب الحدود :
هَلْ رَجـَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسـَلَّمَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ قَبـْلَ سُورَةِ النُّورِ أَمْ بَعْدُ : قَالَ لَا أَدْرِي !!
ويبدو أن الآية 44 من المائدة نزلت قبيل آية النور لتُذكِّـر الرسول الكريم أن التوراة فيها هدى ونور ولكن نزلت ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار للذين هادوا فقط . ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين صدّقوا فِرية عبارة الشيخ والشيخة دون تمحيص بدلا من رد الأمر إلى كتاب الله سبحانه والتماسِ الحقيقة منه ! وكأن الله سبحانه يقول لهم مقرّعا :
وكيف يُحكّمون أقوالا منسوبة إلى النبي
صحّت أو لم تصح ،
وعندهم القرآن فيه حكم الله !!!!!!! .
*****
أما القول بأن مفهوم آية النساء [ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ] هو أنّ الرسول الكريم مشرع (!!) فيرده أن الأمر بطاعة أولي الأمر من المؤمنين التي عطفت على طاعة الرسول لا يجعلهم مشرعين اتفاقا حتى لو أصدروا وتبنوا أنظمة إدارية تطبيقية عملية لأحكام الله النظرية التي هي التشريع. ومفهوم آية النساء في وجوب طاعة الله والرسول وأولي الأمر من الذين آمنوا بالإضافة إلى ما ذُكر أنّ طاعة الله سبحانه هي الأصل وأنّ أعظم طاعة للرسول الكريم هي في تصديق ما جاء به من الكتاب المنزَل إلى قيام الساعة :
ايمانا ( 285/البقرة ) واتِّباعا ( 3/الأعراف ) :
* [ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبـِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمـُحْسِنِينَ (34) ] الزمر.
*****
أما أن يقال أن سُنّته المُفتراة عليه والتي جعله الناس بها مُشرعا وربا مع الله و دُونت في كتب الحديث المختلفة والمتناقضة بعد قرون .. تقوم مقامه فقول مردود يرده النقل والعقل وما فعله الصحابة الكرام .
فإن عمر بن الخطاب لم يَرُدّ الخلاف مع بلال وصحبه في مصير أرض سواد العراق ، لم يرُدّه إلى فعل النبي الامين في أرض خيبر الذي كان حتى ذلك الوقت قطعي الثبوت ، بل إنه حسم الأمر معتمدا على نص آية سورة الحشر وأبقى الأرض في أيدي أهلها ليكون خراجُها (جزء من منتوجها) للدولة .
ولم يسكت المخالفون له إلا حينما جاءهم بالدليل من كتاب الله مع مخالفته لما فعل النبي بأرض خيبر بسبب اختلاف الواقعين ووجود نص يحكم كلا منهما . وهناك حالات أخرى التزم فيها عمر بفهمه للنص على ضوء الواقع ولم يلتزم ببيان النبي كمسألة الطلاق ثلاثا ، أو فِعله كإعطاء المؤلفة قلوبهم !!!
*****
أما قوله سبحانه :
* [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ…(24) ] الأنفال
أما الفرق في الدقة والصحة بين ما نُسب إلى النبي الامين مما اشتُهر عنه ، وله في كتاب الله بعض أصل ، فلنأخذ مثلا عليه ذلك الفرق بين حديث هو عند المفسرين معضل وبين آية في كتاب الله هي أدق منه وأصح بكثير ، ويمكن لأي عقل أن يستوعب مفهومها دون أن يقع في تناقض :
يقول الحديث كما ورد في مسند الإمام أحمد 9455 : لَا يُنَجِّي أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ فَقَالَ رَجُلٌ وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ …!!
أما الآية الكريمة فنصها :
* [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) ] النور .
فنص الحديث الذي كثيرا ما يستشهد به الوعاظ مخالف لنص كتاب الله الكريم صراحة وإن كان فيه شيء من صحة المفهوم يذهب بها خطأ النص . ولمخالفته لنص كتاب الله العظيم كان له أثر مدمر على بعض فئات المسلمين ومنهم بعض المتصوفة الذين دفعهم مفهوم كلمات الحديث إلى الاتكال على رحمة الله زاعمين أن هذا الحديث يسوّي في النهاية بيـن فرعـون و موسى عليه السلام طالما أنّ كل الناس موكولون في النهاية إلى رحمة الله !! علما أن نص كلام الله سبحانه يعرّي هذا المفهوم المأخوذ من الحديث المنسوب . يقول الحق سبحانه :
* [… وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) ] الأعراف .
فالناس يدخلون الجنة بعملهم .
* [ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) ] الزخرف .
* [ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) ] مريم .
فما وجه الصواب في المسألة ؟ بم يدخل الناس الجنة ؟ وما علاقة فضلِ الله ورحمتِه بالأعمال التي تُدخل الجنة ؟ بل ما هو فضل الله سبحانه وما هي رحمته ؟
*****
الجواب : يدخل الناس الجنة بأعمالهم أوّلاً ثم بفضل الله ورحمته اللذيْن استحقوهما بسبب أعمالهم . لكن أية أعمال ؟
تشير آية النور إلى أنها الأعمال الصالحة التي يسَّر معظمَها اللهُ سبحانه ابتداءً رحمانيةً وهدايةً بفضله ، وضاعف أجرها أضعافا كثيرة فضلاً وكرماً ، ثم بوقايته رحمةً من الوقوع في كثير من الخطأ الذي كان سيتسبب في إنقاص درجته وتخفيف موازينه ، وبعفوه سبحانه رأفة عن كثير من الخطأ بعد وقوعه !!
بكل ذلكم تثقل موازين العبد لتصل إلى الحدّ الذي يُدخله الجنة . ولو وُكل أي إنسان حتى الأنبياء إلى اجتهاده لما استطاع أن يصل إلى درجة التزكية التي تُدخله الجنة .
ولكنّ فضْل الله تعالى هدايةً ، ورحمتُه وقايةً ومغفرةً إنما يؤتيهما الله سبحانه لمن عرف اللهُ تعالى أن خميرة عمله الصالح على ضآلتها تستحق أن يضاعفها الله سبحانه بفضله وأن يقيها وصاحبها برحمته . هذان هما الفضل والرحمة الخاصّان اللذان صدَق من قال فيهما :
إذا لم يكُن عوْنٌ مِن الله للفتى : فأوَّل ما يجني عليه اجتهادُهُ
*****
أما الفضل العام والرحمة العامة لله سبحانه على عباده
فهما إنزالُه القرآنَ الكريم :
* [ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) ] يونس .
ومِثْل هذا فهْم الناس بأهوائهم لقوله سبحانه :
* [ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا…(51) ] التوبة .
فالآية خاصةٌ في أن الله كتب للمؤمنين المجاهدين في القرآن الكريم (وليس عليهم) إحدى الحُسنيين (النصرَ أو القتلَ في سبيل الله أيْ (1) العيشَ في سبيل الله او (2) الموتَ في سبيل الله ) وكلاهما خير ، كما تُبيِّن الآيتان 51-52 /التوبة. أما ما يصيب الإنسان مِن خيرٍ وشر ، حسنةٍ وسيئة فالنص فيه بيّن بنفسه :
* [ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ …(79) ] النساء .
مع أن كلاً من الحسنات والسيئات هي من خلق الله تعالى فهي [ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ] بمعنى أنّ خامةَ/أصل أفعال الخير والشر هي مِن خلْق الله . والإنسانُ يختار الخامة ويُصنِّع منها خيراً يُثاب عليه أو شراً يُعاقَب عليه ، فكلاهما صناعة يديه :
* [ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30) ] الشورى .
ومع ذلك يكاد كل الناس يرددون الآية كلّما اصابهم او اصاب غيرهم مكروه بسبب اخطاء لهم ، ويُحملون الله مسئولية المكروه وأن ذلك مكتوب من الله عليهم ولا يمكنهم ان يجتنبوه مهما اجتهدوا !!!!!!
(19)
الخُلاصة
خُلاصةُ هذا المُدخَل إلى خطابٍ إسلامي رباني معاصر
مؤسسٍ على [ تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ]
لينفعَ الناس فيمكثَ في الأرض
أوّلاً : أنَّ كتاب الله العظيمَِ هو المقياس و الأصل الذي يُردُّ إليه كل خلاف في الإنسانيات [ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ ] في الماديات . فيه القاعدة أو القانون النظري وهو التشريع ، بالإضافة إلى بعض الأمثلة الحكمية التطبيقية .
*****
ثانياً : وأن سيرة النبي الامين العملية هي أرقى مثال تطبيقي حِكمي للقرآن الكريم حتى الآن . فهي (تكنولوجيا) كتاب الله العظيم في واقع معين . وكما تتغير تكنولوجيا القوانين العلمية ، يتغير كثير من الأمثلة التطبيقية لنصوص كتاب الله تعالى حسبما يفهمها العقل البشري في الواقع المتجدد ، مع أن النصوص القرءانية نفسها – أعني كلمات وآيات الله - ثابتة مقدسة لا تُمس بأدنى تغيير بحيث تمثل عنصر الثبات والأصالة في الحياة كلها ، بينما يمثل فهمُها المتجدد حسب الواقع المتغير عنصر التجديد والتحديث :
الأصالة والتجديد الثابت والمتغير
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=37&cat=3
هذه النصوص الربانية القرآنية ينبغي أن تكون الفيصلَ في أيِّ خلاف لأنها حبل الله المتين وهي العاصم من الفرقة والضلال بنص كتاب الله :
* [ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا…(176) ] النساء .
* [ وَاعـْتَصِمُوا بِـحَبْلِ اللَّهِ جَمِــيعًا وَلَا تـَفَرَّقُوا…(103) ] آل عمران .
. إفعلوها ولو مرة فاعتصموا بحبل الله
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=41&cat=2
وإنه لأمر مؤلم أن نسمع من بين المسلمين التراثيين مَن يقول ويصدّق ما يُنسب افتراء إلى عمر بن الخطاب تارة وعلي بن أبي طالب تارة أخرى : إذا جادلكم أهل الأهواء والبدع بالقرآن فجادلوهم بالسُنّة فإن القرآن حمّال وجوه ، مستشهدا بقول الله تعالى :
* [ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ] مـغفلا تتمة الآية الكريـمة [ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {44} ] النحل .
*****
إن أمثال مَن يَدعون إلى هجرِ القرآن ونبذهِ بهذا القول وراء الظهور (!!) نسوا أو تناسَوْا أن الله تبارك اسمه أمر رسوله الكريم وكلَّ مؤمن أن يكون الجدالُ [ بالّتي هِيَ أحْسَنُ ] ونسوا أن كتاب الله سبحانه هو [ أحْسَنُ الحْديثِ ] . به وحده يكون الجهاد الكبير بالحكمة والموعظة الحسنة :
* [ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيـراً {52} ] الفرقان .
أما الجهاد الكبير بالقرءان فلا بواكي له
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=72&cat=3
وأن أيَّ بيان لآياته لا يمكن أن يكون في مرتبة الآيات نفسها حتى لو قاله النبي بل إن أيَّ نصٍّ بشري يبدو هزيلا عند مقارنته بآيات الله سبحانه . لقد اشتغل هؤلاء بما هو أدنى بكثير عمّا هو خير فوجدوا القرآن حمّال وجوه مع أن الذي أنزله قال فيه أنه مثاني فقط ، فيه الرأي والرأي الآخر وكلاهما صواب :
* [ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(23) ] الزمر .
ولو كانت جلود هؤلاء تقشعر منه لفهموه ، ولو فهموه لما قالوا أنه طلاسم وحمّال وجوه وكأنهم يتهمون الله سبحانه بالعبث . تعالى الله عن مزاعمهم علوا كبيرا !!
*****
ثالثاً : وأنَّ اتخاذ القاعدة النظرية ممثَّلةً في كتاب الله تعالى مرجعا لحل مشكلات العصر باستنباط حلولها من نصه اليقيتي ، فيه من الدقة والتوسعة المشروعة على الناس لإبقائهم مع حياتهم في تجديد وتحديث ، مواكبين للواقع المتجدد والعصر ضمن الضابط العام (النص الثابت مقدس رباني ، والفهم المثمر متجدد إنساني) … ففي كل ذلك من التوسعة والخير أكثر بكثير جدا من إلزامهم بمثال تطبيقي محكوم بزمان وواقع مهما كان رقيه وصلاحه في زمنه ، أو القياس عليه بينما يقول الله سبحانه في النبيين – وهم خير البشر – وأعمالِهم :
[ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ
وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {134} ] البقرة
*****
رابعاً : وأنَّ الأُميّين الآخِرين الذين عجزوا عن فهم كتاب الله العظيم زاعمين أنه حمّال وجوه بينما يقول الله سبحانه فيه :
* [ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) ] العنكبوت .
نعم ! الظالمون الذين يقول الله سبحانه فيهم :
* [… أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ (85) ] النمل .
وهم الذين زعموا أن منها المنسوخ بينما القرآن بشهادة الله الذي أنزله :
* [ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1) ] هود .
نَسختْ آياتٌ منه بعض ايات الكتاب الذي قــبله . قارن (45/المائدة) بـِ ( 178 /البقرة ) .. و ( 151- 155 ) الانعام بـِ ( 22 – 39 ) الاسراء :
الوصايا العشر عند أهل الكتابين
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=33&cat=5
وكيف يمكن أن تُفصَّل آياته دون أن تنقض تفصيلاتُه بعضُها بعضا إذا لم تكن قد أُحكم إغلاقها فلا إدخال إلى نصوصها ولا إخراج منها تصديقا لقوله سبحانه :
* [ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتـَابِ رَبِّـكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـاتِهِ …(27) ] الكهف .
أليس هؤلاء العاجزون عن فهم كتاب الله العظيم وآياته هم المقصودين بقوله :
* [ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) ] الكهف .
إن مجيء هذه الآيات من سورة الكهف (18) بعد قوله سبحانه :
* [ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ] في سـورة الإسـراء (17) ..
التي اختُصت بأكثر ذِكر للقرآن الكريم .. لإشارةٌ بيّنة إلى خطأ تفكير هُواة [ الزبَد/الباطل ] وهم جُلُّ المسلمين منذ قرون . فهُم لم يدركوا أهمية الإضافة والتجديد والإبداع في التفكير من أجل فهم النص القرآني المقدس فهْما يناسب الواقع والعصر الذي أقسم الله سبحانه به.. فصاروا كأصحاب الكهف الذين (مع إيمانهم وتقواهم) لم يدركوا مرور الزمن فظنوا أنفسهم يعيشون العصر نفسه الذي عاشوا فيه قبل ثلاثمائة سنة . وقد علم الله سبحانه عدم قدرتهم على التكيف والعيش في عصر غير عصرهم فأماتهم رحمة بهم . أما المسلمون التراثيون اليوم فهم أدق مثال على قول من قال :
ليس من مات فاستراح بميْت : إنما الميْت ميّتُ الأحياء!!
*****
خامساً : وأنّ استمرار دارسي المرويات التراثية في حرث البحر حفظا وتخريجا لأسانيد الحديث وبحثا فيها بعد أن مرت على جمعها وكتابتها قرون بعد القرون التي انقضت قبل أن تُجمع وتكتب … دون أن يهتموا بتحقيق الأحاديث وأخبار التاريخ كما ينبغي بعرضها على كتاب الله الذي كان وحده مصدر الصحيح من مفهومها .. ليكتشفوا الفرق الهائل بين المستوى المعجز لآيات الله سبحانه ومستوى كل تلك الأحاديث والأخبار المنسوبة إلى النبي وغيره … وكذلك هدْرُهم للجهود فيما لا نفع فيه من العلم الذي استخدموه [ بغيا بينهم ] حتى إذا ما ذُكّروا بآيات الله من [ الذكر الحكيم ] أعرضوا عنها وانسلخوا منها ، وسبّوا مَن ذكّروهم بئايات ربهم بأنهم قرءانيون !! و [… فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ…(83) ] غافر ، ولم يفرحوا بآيات الله وبيّناته ..
كل ذلكم لم يكن له إلا نتيجة واحدة كبرى هي استمرار الناس في تجميد ما بأنفسهم من فكر وسلوك هابطيْن بحيث جمّد الله سبحانه ما بهم من أوضاع على درجة التخلف والسوء التي عانى منها المسلمون التراثيون ولا يزالون منذ قرون.. ولا ينكرها عاقل! لقد صدق رب العزة سبحانه حين ربط الرفعة بآياته وربط الهبوط والسقوط بالانسلاخ منها واتباع الهوى :
* [ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) ] الأعراف .
*****
ومن أوضح الأمثلة على سوء الفهم الذي مُنينا به قانون المواريث الإسلامي الذي يسمونه علم الفرائض . فقد أنزله الله سبحانه في [ آيات بيّنات ] ثلاثٍ فقط من سورة النساء وفي بعض الآيات [ المبيِّنات ] ، فأصبح القانون أسفارا وكتبا تستعصي على الفهم بسبب ما فيها من تناقضات وتعقيدات مملّة وأقضية مضحكة مبكية ، نسخوا فيها آية الوصية المكتوبة للوالدين والاقربين وهم الورثة لحكمة عظيمة :
القرءان يبينه القرءان / الوصية المكتوبة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=57&cat=3
نسخوها بحديث مُفترى يقول ( لا وصية لوارث ) لم يُذكر في اصح الكتب عندهم لا البخاري ولا مسلم !!
قانون المواريث الإسلامي من كتاب الله
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=91&cat=5
جدول رياضي يبين حصص الورثة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=95&cat=5
ومن الأمثلة الأخرى على سوء الفهم الموروث حكم رجم الزاني وما يتعلق به من افتراءٍ على الله تعالى ، وإعراضٍ عن آياته المحْكمة البيّنة . ولو اتُبع كتاب الله وحده كما فعل الرسول النبي الكريم لما فقدنا القدرة على معرفة حكم الله تعالى في مسائل قديمة وبسيطة وإن كانت خطيرة الأهمية كالحيض وأخرى قديمة حديثة كالربا والزواج من الكتابيات وتعدد النساء وحقيقة الصلاة والحج وغير ذلك من الأحكام التي اختلط فيها الحق بالباطل ، واختلط فهْم ما نزل من السماء بالزّبد فصار باطلا( كالخمر والميسر) اثمهما اكبر من نفعهما بحيث نتج عنه كثير من الخلل العقَدي والفكري والسلوكي الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه .
(20)
مَثَلٌ من الذين خلَوْا من قبلِنا
* [ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ (1) آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ (2) وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ {34} اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. ] النور .
إن إخفاق محاولات المسلمين والإسلاميين خاصة في صياغة خطاب إسلامي رباني معاصر ومثمرٍ لَيَدفعنا إلى التفكير في إعادة النظر في كل شيء باستثناء نصوص/كلماتِ آيات القرآن الكريم فهي محكمة الإغلاق ثابتة ومقدسة ، على أصلها الثابت نستنبت فروع الشجرة الطيبة التي تُؤتي أكلها كل حين بإذن ربها طالما تجددت .. مثلا حسيا لخطاب إسلامي رباني معاصر يرضاه الله سبحانه اليوم كما رضي الخطاب الإسلامي العصري الأول دِينا للرسول الكريم وصحابته الأبرار الذين اتبعوا كلهم [ ما أنزل الله ] قرءاناً وليس ما وجدوا عليه آباءهم ، فأسسوا بُنيـانهم [ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ] ، لا [ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَار ٍ] انهار بهم في نار الدنيا [ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى {127} ] طه .
*****
وإني لأحسب أن علينا أن ننشئ مدرسة فكرية إصلاحية تغييريه تهدف إلى تغيير ما بالأنفس كما فعل الرسول النبي الكريم وكما فعل أهل الكتاب قبل قرابة خمسة قرون مستفيدين من تجربة المسلمين الأولى :
حاجتنا إلى مدارس فكرية إصلاحية
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=127&cat=2
فها نحن ينطبق علينا ما انطبق عليهم قبل ذلك من سُنن إذ [ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ] و [ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ] فضلّوا وتخلفوا كما ضللنا من بعدهم وتخلفنا ولا نزال . ولم توقظهم إلا الهزيمة الثانية والصدمة الكبرى بسقوط القسطنطينية في أيدي المسلمين سنة 1453م حين كان مفكروهم ورجال الدين عندهم قد شغلوا أنفسهم والناس بالخرافات وبالجدل البيزنطي العقيم الذي صار مضرب المثل ، تماما كما ينشغل كثير من المسلمين التراثيين اليوم بما لا يفيدهم ولا يمتّ لواقعهم بصِلة ، كإرضاع الكبير وشرب بول البعير ونكاح ابنة التاسعة !
*****
وكما كان رجال الكنيسة الكاثوليكية قد كمموا أفواه الناس وحجروا على عقول أهل الفكر والعلم ، يقف الحرس القديم ورجال الكهنوت مدافعين عن التراث الموروث بقضّه وقضيضه مبطلين كتاب الله تعالى ، كما وقف أشياعهم من قبل يدافعون عبثا عما وجدوا عليه آباءهم ، وهو دفاع شجبه الله سبحانه في اثنتين وأربعين آية من القرآن العظيم :
* [ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ {21} ] لقمان :
قد تبين الرشد من الغي فاتبعوا ولا تتبعوا
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=64&cat=3
وبسقوط القسطنطينية لم يعد عند مفكريها ورجال الدين فيها ما يخسرونه فساحوا في أوروبا لتتحرك بهم وبالصدمة عقول الناس الذين ردوا على الهزيمة وواقعهم المرير بطريقتين :
طريقة المقاومة العسكرية العبثية للمنتصر التي ظلت متبعة في البلقان منذ سنة 1389 حين فتح العثمانيون المسلمون صربيا وعلى مدى خمسة قرون كان مثل الطرفين فيها :
كناطحٍ صخرةً يوما لِيوهنَها : فلم يضرْها وأوهى قرنَه الوعِلُ !
ولم يكن لتلك الأعمال من أثر على الدولة المنتصرة الفاتحة سوى أنها أبقتها في حالة تيقظ مستمر. ولا يزال البلقان كله أضعف الحلقات الأوروبية .
طريقة المعالجة الحضارية لأسباب الهزيمة والتخلف التي نبعتْ من ألمانيا ثمّ انتشرت بهدوء ونَفَس طويل لتستطيع القوى التي تبنّت هذه الطريقة ليس إلحاقَ الهزيمة بالدولة العثمانية فقط ، بل أن تهدم الدولة نفسها وتقوّض النظام الذي قامت عليه كلَّه وأن تحتل كل متر في بلاد المسلمين !!
فما أن انقضت أجيال ثلاثة على سقوط القسطنطينية (76سنة تحديدا) حتى كان المحتجون Protestants بقيادة مارتن لوثر في ألمانيا (1483-1546م) قد عقدوا مؤتمر المحتجين سنة 1529م وقد هالهم حصار العثمانيين المسلمين لفينا عاصمة النمسا ، وقرروا بدْء حركة الإصلاح الفكري والديني في أوروبا التي أعقبتها نهضة علمية مادية أورثهم الله بها إمرة الأرض .
في ذلك المؤتمر
رفضوا سلطة البابا
ونادوا بثلاثة مباديء حسب قاموس وبستر
كان لها أعظم الأثر عليهم :
1. أولويةُ التوراة/كتابهم المقدس بوصفها المصدر الوحيد لحقيقة الوحي والدين عندهم :
Primacy of the bible as the only source of revealed truth
2. الإيمان مقياس الأعمال ، به وحده تبرّر ويكون الخلاص :
Justification by faith alone
3. كل المؤمنين رهبان ( فلا امتيازات ولا صكوك غفران لرجال الدين …) :
The priesthood of all believers
بعد ذلك بأربع عشرة سنةً فقط تقرر الانقلاب الكوني العلمي في مجالات المعرفة الثلاثة :
أ. تشريح الجسم البشري
ب. ورسم خارطة صحيحة للعالم
ج. وتغيير فكرة الناس عن النظام الكوني بإلغاء فكرة دوران الشمس حول الأرض التي اعدمت الكنيسة بسببها الاف الناس . ثم كانت انطلاقة الأوروبيين التي أوصلتهم إلى هذا التقدم العلمي والمادي والإداري في الطريق إلى الفضاء الرحب ، بينما كان خصومهم المسلمون التراثيون يجمدون أنفسهم ويؤهلونها لهزيمة كبرى استحقوها سنة 1917/م .
*****
وإذا كانت مبادئ الإصلاح الفكري الثلاثة التي جعلت النصارى البروتستنت يتقدمون حتى على الكاثوليك التقليديين (ألمانيا ، بريطانيا ، الولايات المتحدة في جهة وفرنسا وايطاليا والبرازيل ... في الجهة الأخرى) هي أصلا من روح الدين الحق منذ وجد ، فإنها ايات بينات في القرءان ، اعرضنا عنها وعرفها غيرنا ، فإذا اتبعناها فهي بضاعتنا رُدت الينا ... إرجع إلى مقال :
لماذا نهضوا وتخلفنا ولا نزال
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=15&cat=3
اما بالنسبة لنصارى الغرب فإن كون الكتاب المقدس عندهم منتهي الصلاحية منذ سنة 632/م (حين اكتمل نزول القرآن الكريم ليكون [ الكتاب كُلّه ] All in one .. قد جعل الغربيين عموما يفتقرون إلى نظام حياتي إنساني صالح للعصر لم يجدوه في كتابهم المقدس . ولم يكن ما عند المسلمين في ذلك الوقت وحتى الآن من بضاعة تقليدية يُغري بطلبها .
فقد كان المسلمون قد بدءوا يعيشون الواقع المخزي الذي احتج على مثله المحتجون الإصلاحيون في أوروبا : مِن نبْذ المسلمين للكتاب (القرآن) وهجْرهم إياه ، وإعراضِهم عنه ، واتخاذِهم البشر أربابا من دون الله ثمّ انشغالِهم بالخرافات والأساطير ومعاداتِهم لكل جديد حتى في المجال العلمي المادي. لهذا انتهى الأمر بالغربيين إلى اعتماد الديموقراطية التي هي نظام المخلوقين المتشاكسين القائم على كثرة التجارب والأخطاء وما يقتضيه ذلك من هدر للجهود والوقت، بدلا من نظام الخالق الواحد الذي لم يجدوه صالحا في كتابهم المقدس .
ومع ذلك كانت الديموقراطية خيراً لهم مما كانوا فيه فهي وصاية للأحياء على الأحياء بديلا لوصاية الأموات على الأحياء التي لا يزال عليها المسلمون التراثيون! لذلك استغرقت نهضتهم قرونا مقابل عقود بل ( 22/ سنة ) فقط نهض خلالها المسلمون الأولون اعتمادا على نظام الخالق الواحد كما أنزله في ( الكتاب Manual ) الواحد فجعل منهم أمة واحدة لها دولة واحدة طيلة إيمانهم [ … بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176) ] البقرة . إرجع إلى : الربانية المتجانسة في مقابل الديموقراطيات المتشاكسة على الرابط :
الربانية المتجانسة و الديموقراطيات المتشاكسة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=16&cat=5
(21)
[ فاعْتَبِروا يا أُولِي الأبْـصارِ]
بعد الصدمة الكبرى التي تلقاها المسلمون بسقوط بلادهم سيادةً وبعضِها أرضا تتويجا لسيادة الغربيين على كل بلاد المسلمين منذ سنة 1917م وحتى الآن ، فقد آن لنا أن نستفيد من سٍنن الله تعالى فيمن قبلَنا وفينا فنصوغ لنا وللعالَمين خطابا إسلاميا ربانيا عصريا نَصُّه كأصل الشجرة الطيبة ثابت ، ومفهومه متجدد مثمر كفرع الشجرة الجديد :
* [ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ] إبراهيم .
مثل الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=138&cat=2
كان سقوط القسطنطينية بأيدي المسلمين في حينه صدمة للأوروبيين حوّلوها الى خير لهم وللعالم بحيث يمكننا ان نقول ان المسلمين العثمانيين قد ربحوا في النهاية مدينة ولكن خصومهم الاوروبيين كانوا هم الرابحين حقا بما مكنتهم تلك الخسارة من انجازه لأنفسهم وللعالم بهذا التقدم المشهود في المجال العلمي المادي الذي حققوه بعين واحدة :
إرجع إلى الجدول التاريخي المقارن بأهم الأحداث المفصلية بين أهل الكتابيْن على الرابط :
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=94&cat=6
فإذا استفاد المسلمون مما يبدو انه سُنّة لله تعالى يمكن ان تنطبق علينا كما انطبقت عليهم ، فإن تقدما أعظم وخيرا اعمّ ينتظرنا وينـتظرهم في المستقبل الـقريب ان شـاء الله ، ( ليُعولمَ ) به العالَم كله عولَمة خير وبركة حين يبدأ النظر الى الامور بعينين اثنتين : عينِ ( غلام عليم ) 53/الحِجر ، وعينِ ( غلام حليم ) 101/الصافات :
إطار حل القضية الفلسطينية حلاّ ممكنا لا ظلم فيه
(22)
معالم مقترحة لخطاب اسلامي رباني معاصر
1. * [ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) ] الإسراء .
فالقرآن الكريم الذي هو كتاب الله سبحانه ودليل ( Manual ) الخلْق هو مصدر التشريع الوحيد ومرجعية الحق في أي خلاف ، ليس لبضاعَةِ نُصوصِه تاريخ انتهاء صلاحية Expiry Date حتى يوم القيامة .
بهذه المرجعية الواحدة وعلى أساسها فقط يمكن أن يوحَّد المسلمون ومن شاء من البشر بعد أن فرّقهم تعدد المرجعيات ومصادرها من الأسفار والكتب وأهواء البشر، بل يمكن أن (يُعوْلم) العالَم حقيقةً (عوْلمةَ) خير وبركة . وحين يُري الله سبحانه الناس مزيدا من آياته [ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ] – كما أظننا فعلنا في أبحاث هذا الموقع - ويتبينُ لهم أن القرآن هو الحق كما وعد الله عز وجل .. فسيدخل الآخِرون في دين الله (آلافا بل ملايينَ) كما دخل الأولون ( أفواجا ) . ولن يجذبهم قطعا إلى ذلك إلا آياتُ الله المسطورةُ في كتابه الكريم التي سيتحقق لهم صِدْقُها في آياتِ الله المنظورة [ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ] :
فتوحات كتاب الكون المنظور تبشر بفتوحات
http://www.kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=172&cat=4
إن الدعوة الى توحيد (مرجعية الدين الحق) تبدو الآن غريبة لدى الآخِرين كما بدت الدعوة إلى توحيد الله الخالق الرب غريبة لدى الأولين . فالتاريخ بسُنن الله سبحانه فيه يتكرر :
* [ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ {110} ] الانعام .
ألم يقل الأولون :
* [ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) ] ص .
فرد الله سبحانه عليهم :
* [ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29) ] الزمر.
وكيف يكون المسلم سَلما لله الحق وحده إن تعددت مرجعيات الحق عنده !
وحين كان لسان مقال الأولين كلهم يستفهم (مستنكرا متعجبا) كما يستفهم لسان حال الآخِرين متعجبا :
* [ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا … (70) ] الأعراف .
أجابهم الله سبحانه بسؤال تعجبي مضاد :
* [… أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) ] يوسف .
وكيف يكون الحكم لله الواحد إن لم يؤخذ من كلمات كتابه الواحد !
*****
2. * [ …إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) ] القصص .
فالمفاضلة بين الأجيرين (وكل إنسان على الأرض أجير لله) تُقررها درجة كل منهم في مؤهلِ (الكفاءة أو القوة على العمل) تعاملا مع المادة ، ومؤهلِ (الأمانة) تعاملا مع الناس . وإذا كان الغربيون قد أجادوا في تأهيل الفرد عندهم كفاءة فامتلكت الجماعة عندهم مؤهل الصلاحية المادية لعمارة الأرض فإنهم لم يحسنوا تأهيله أمانةً فظلت درجة مؤهلهم في الصلاحية الإنسانية تتدنى باستمرار.
الصلاحية المادية لعمارة الأرض والصلاحية للحياة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=71&cat=5
وعلى الذين اصطفاهم الله سبحانه لوراثة الكتاب ، أيّاً كانوا :
أ . أن يعملوا على تغيير ما بأنفسهم وأنفس الناس ليصبحوا معالم إرشاد على سبيل الله بدلا من أن يكونوا أشواكا وصخورا ملقاة على هذا السبيل بشكل لا يغري أحدا بالسير فيه ، كما هو واقع المسلمين .
ب . كما أن على ( أهل الذكر) منهم من الآن أن يُعِدوا الإجابات الربانيةَ على تساؤلات مَن سيدخلون في دين الله (ملايينَ) لأن أُولي الألباب والعقول منهم ومن أبناء المسلمين المؤمنين لـن يرضيهم ويؤثـر فـيهم إلا [ أحسنُ الحديث ] يقدمه مَن يقول : [ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) ] ، وليس (روى فلان عن علان …) وصايةً للأموات على الأحياء!!
*****
3. [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ … {14} ] الصف .
وبذلك يكون الولاء والنصرة لله أصلا ولمن أمر الله سـبحانه بموالاته ونصرته . وبهذا يكون [ المؤمـنون أخوة ] فيعتـصمون [ بحبل الله جميعا ] وهو القرآن العظيم ولا يتفرقون ولا يتشاكسون : فلا عنصرية ولا طائفية ولا شِيَع ولا إقليمية ولا رابطة مهما كانت تعلو على رابطة الإيمان بالله الواحد وكتابه الواحد وكلِّ ما فيه من الحق . من آمن به فقد آمن [ بالكتابِ كُلِّه ] All in one . إذ حتى في واقعهم الحالي لا يتفق المسلمون نظريا على تقديس كتاب يتلونه في صلواتهم إلا كتاب الله العظيم . فالحمد لله رب العالمين .
* [ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ (35) ] فُصلت .
4. أما المَعْلم الرابع الذي يشكل خلاصة الخلاصة للبحث فهو أن أساس الإصلاح المنشود يجب أن يقوم على نص كتاب الله الثابت ممثِّلا لدور الرسول المبلِّغ و لعنصر الأصالة ، وعلى فهمٍ متجدد وعصري لهذا النص يمثّل عنصر التجديد والتحديث ، مستفيدٍ من التجربة الاسلامية الربانية الاولى المعروفة بالسيرة النبوية العطرة التي هي أرقى (تكنولوجيا) تطبيقية حِكْمية للقرآن الكريم في واقع معين ، أنتجتها عقول وسواعد أرقى جيل إنساني عرفه التاريخ بشهادة الله سبحانه وشهادة مجمل التاريخ وهم السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان فرضي الله سبحانه عنـهم .. و بقيادة الرسول النبي الكريم محمد (سلام عليه وعلى المرسلين) كما وثَّقها الله سبحانه في كتابه المرفوع المطهّرِ ، المحفوظِ مِن العبث والتحريف والتبديل ومِـن أن يُفسده الزمن كما يُفسد كلَّ مخلوق له تاريخ انتهاء صلاحية (Expiry date ) .
مزيد من تفصيل المعالم على الرابط :
عشرة معالم على طريق الإسلام الرباني
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=114&cat=5
* [ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ]
* [ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ {181} وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {182} ]
مدرسة الربّانيـّين