New Page 1
إقامة الصلاة كما بيَّنها اللهُ سبحانه في كتابه العظيم |
02/08/2008 12:54:00 |
عدد
المشاهدات:615 عدد التعليقات:12 |
محمد راجح يوسف دويكات
إقامة الصلاة كما بيَّنها اللهُ سبحانه في كتابِه العظيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين
* [... فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ
فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً {110} ] الكهف
اوَّلاً
مفهومُ إقامتها ، ومواقيتُها
وعلاقتُها بالعملِ ومشكلاتِه من كتاب الله
(1)
مفهومُ إقامة الصلاة
يؤخذ مفهوم إقامة الصلاة من قوله سبحانه :
* [ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(1) (45) الّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ (2) مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ (3) إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ] البقرة .
فالصلاة هي لقاء مع رب العالمين بكل ما تعني كلمة لقاء ، فإذا أفلح المصلي في إقامتها (أيْ ادائها حسب ما امر الله لتكون كالبنيان القائم ديمومةً وسكنا ( والخشوع فيها (كلِّها) كانت ملاقـاةً (بصيغة المفاعلة مبادلةً ومشاركة) . وهي بهذا تـشبه [ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ] لقاءات الناس مع المسئولين .
فكما لا يحقق اللقاء مع مسئول من البشر الهدف منه إذا لم يكن المبادرُ إلى اللقاء جادا تدل هيئته وكلامه واشاراته الرمزية على احترام مَن يلاقيه ( وإلا فإن المسئول يُنهي اللقاء وقد لا يحضره أصلا ) .. كذلك لا تتحقق ملاقاة رب العالمين (لقاءً متبادلاً) في الصلاة إلا بشروط أهمها الخشوع . ولا يتحقق الخشوع مالم يدرك المصلي هذا المفهوم للصلاة ومفهومَ الخشوع . لذلك يتهيب العقلاء إيذاء مقيمي الصلاة الذين يدركون مفهومها لأنهم يخشون شكواهم لربهم عندما يلاقونه في الصلاة . والى هذا أشار نوح عليه السلام :
* [ .. وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْـهَلُونَ {29} ] هود . فكيف يطردهم عبدٌ لله سبحانه اذا كان ربه وربهم يلاقيهم متى شاءوا ويتقبل منهم دعاءَهم وشكواهم!
(2)
مظاهرُ ومفهومُ الخشوع
أ. * [ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) ] فُصلت .
خاشعة = هامدة 5/الحج .
فمن مظاهر الخشوع قلـةُ الحركة بـل السكون الـتام بخفض الجناح [ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ {24} ] الإسراء ، أو بضمه إلى الجسد رهبة لله تعالى : [ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ {32} ] القصص .
ب. * [ وَخَشَعَتِ الْأصوَاتُ للرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) ] طه .
فمن مظاهر الخشوع انخفاض الصوت حتى يكون همساً . لهذا جاء أمر الله :
* [ .. وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) ] الإسراء .
* [ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إنَّ رَحْمَت اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(56) ] الأعراف... فرفع الصوت جهراً بالدعاء اعتداءٌ .. فكيف بالسماعات !؟
المجاهرة والمخافتة وما بينهما في الصلاة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=180&cat=3
ج. * [ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلـَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَـشْتَرُونَ بِأيَاتِ اللَّهِ ثَـمَنًا قَلِيلًا …(199) ]ءال عمران .
أي خاضعين لآيات الله ، لا يستبدلون بها أي كلام طلبا لمنفعة :
* [ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ {4} ] الشعراء .
ورأس الخشوع لله سبحانه بل مفهومه هو الإيمان بما أنزل الله فقط لأنه مع اتِّباع ما أنزل الله يتمثل الخضوع لله بلا تردد ، وهذا هو الخشوع . ويقتضي هذا عدم استبدال أيِّ كلام بآيات الله المنزلة ، يمكن أن يجر منفعة تافهة ، لأن الذي يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير مشكوك في سلامة تفكيره .
*****
وفي من يشترون بآيات الله ثمنا قليلا يقول الله سبحانه :
* [ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) ] ءال عمران .
فقد نبذوا كتاب الله واتبعوا غيره من افتراءات البشر وأحاديثهم مما يسّر لـهم الشيطانُ تزويره بدلا منه . اشتروا به : أخذوا بدلا منه :
* [ وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي ، مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {153} ] الأنعام .
ثم بيّن الصراط المستقيم وأنذر الذين يكتمون بيانه ويستبدلون به لهْوَ الحديث :
* [ وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {155} ] الأنعام .
* [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بعِيدٍ (176) ] البقرة .
* [ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) ] لقمان .
بغير علم : مِن مثاني الكتاب . فإن لهو الحديث الذي يضل به عن سبيل الله ليس عِلماً . كما أن بعض مَن يفعلون ذلك يُضِلون عن سبيل الله وهم لا يعلمون ، بل ويحسبون أنهم يحسنون صُنعا ، ولا عذر لهم . لأنهم بلهْو الحديث يصرفون الناس عن ءايات الله تعالى ، وكفى به إثماً مبيناً .
*****
من هنا كانت الصلاة ثقيلة على نفس المصلي إذا لم يتوقع ملاقاةَ ربه له واهتمامه به . أما إذا عرف مفهوم الصلاة وخشع فيها فلم تَكثر حركاته بل قام قانتا لله سبحانه باحترامٍ وإصغاءٍ يدلان على اهتمامه باللقاء وتوقعه التكريمَ والاستجابةَ من ربه الذي يلاقيه في كل صلاته… فإذا عرف ذلك كانت الصلاة محببة إلى نفسه يدخلها منشرح الصدر ويخرج منها مطمئن النفس راضياً بحيث يظل على صلة بربه متأثراً بذلك اللقاء حتى موعدِ الصلاة التالية ، محققاً بذلك قول الله سبحانه :
* [ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْـبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْـنَعُونَ (45) ] العنكبوت .
(3)
مفاهيمُ لقاءِ ربِّ العالمين والرجوعِ إليه
إذا كان لقاء رب العالمين في الحياة الدنيا (فإذا صاحبه الخشوع كان ملاقاةً) إنما يكون في الصلاة تحديداً ، فإن الرجوع إلى رب العالمين يكون بعد الموت وقبل الرجوع إلى الله سبحانه يوم القيامة بالبعث :
* [ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَـنَّتِي (30) ] الفجر .
* [ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) ] المؤمنون .
فهؤلاء المؤمنون – كما وصفهم ربهم في سورة (المؤمنون) - يسارعون في عمل الخيرات مبادرين ، لأنهم يخشون في كل وقت أن يعاجلهم الموتُ فيرجعوا إلى ربهم قبل أن يعملوا الخير ، لهذا يسارعون إلى العمل الصالح دون تأجيل خشية الموت قبله . ولهذا يوجز المؤمن المفلح يوم القيامة سببَ فلاحه بأنه كان دائما يتوقع/يظن أنه قد يموت في أيّة لحظة فيرجع إلى ربه ثم إلى الله يوم القيامة ليحاسب .. فاستقام عمله واستحق العيشة الراضية حين لم يؤجل عمل اليوم من الخير الى الغد خشية انْ لا يعيش الى الغد :
* [ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ] الحاقة .
من هنا جاء قول الأقدمين : اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ! والعبارة الأولى صحيحة أما الثانية فالأصح أن تكون : واعمل في عمارة الأرض ونفع الناس كأنك تعيش أبداً ، لأنك بهذا تعمل لدنياك وآخرتك :
* [ .. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ {17} ] الرعد .
*****
ولأن مُلاقاة رب العالمين في الدنيا انما تكون في الصلاة إذا صاحبها الخشوع ، فإن الدعاء يفتتح بقول الداعي [ ربِّ ، ربَّنا ] كما تكرر ذلك في كتاب الله تعالى أكثر مِن مئة مرة . ولم يَرد دعاء مفتتح بالله في الدنيا إلا مرتين : مرةً حينما طلب عيسى عليه السلام (وهو رسول لله) مائدة من السماء - وهو أمر جلل – فقال : [ اللهمَّ ربَّنا ] ، ومرةً على لسان كفار مكة [ اللهمَّ ] ، لأنهم لم يعترفوا أن الله سبحانه هو ربهم مع اعترافهم أنه خلقهم (87/الزخرف) .
فمراحل اللقاء والرجوع هي :
(1) لقاء الرب في الصلاة ،
(2) والرجوع إليه إثْر الموت ،
(3) ثم الرجوع إلى الله بالبعث ،
(4) ثم العرض على ربهم ليلقاهم :
فمنهم من يُحاسبون عنده ، ومنهم مَن يُحوّلون الى الله نفسه ليوفيهم اجـرهم بغير حسـاب ، أو يلقاهم الله لمحاسبتهم بوزْن أعمالهم ، اذ لا يقدر على ذلك سواه .. لا يوكل أحدا إلاّ في حساب المحكومِ سلفاً الذي يدعو مع الله الها اخر لا برهان له به [ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ {117} ] المؤمنون ، إذ لا داعيَ لأنْ يلقاه الله وقد حُكم مُقَدَّماً بالمادة 48/النساء :
* [ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً {48} ] النساء .
(4)
الخشوع في الصلاة
يتحقق خشوع المصلي في الصلاة بأمرين :
أ. إذا أدرك المصلي مفهومَ الصلاة بأنها فرصة لقاء العبد بربه ليكون بين يديه منيبا إليه (كما فهِم ذلك بعض الأقدمين) يخاطبه بفاتحة الكتاب يختارها خطابا منه لربه ( لذلك لا يبدؤها بالبسملة ) خطابا جامعا مُحكما : فيها حمدٌ لله سبحانه وتعظيم وإقرار بأن الله سبحانه هو رب العالمين ، الرحمنُ الرحيم ، وأن العبد المصلي لا يعبد سواه ولا يستعين بغيره ، وأن أهم طلب يتقدم به إليه سبحانه بعد الاستعانة به هو أن يهديه الصراط المستقيم .
وككل لقاء ناجح لا بـد فيه من طرفين يتحاوران ، فـإنَّ ردَّ الله سبحانه على عبـده [ إذا صلى ] يكون مما أشار إليه سبحانه عقب فاتحة الكتاب مباشرة في مطلع سورة البقرة :
* [ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ] .
فمَن طلب عون الله سبحانه وهدايته إلى الصراط المستقيم فليلتمس هذا في ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ليكون من المتقين . لذلك يختار المصلي ما تيسر له من ءايات الكتاب يتلوها على نفسه باسم الله تعالى (أي نيابة عنه) ليـكون ردَّ الله سبحانه عليـه فيفتتحه بالاستعاذة والبسملة ) :
* [ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ {98} ] النحل .
لهذا يُتْبِعُ المصلي خطابه لربه سبحانه وردَّ ربه عليه بالركوع انحناءً ( في إشارة يعرفها البشر ترمز إلى التعظيم والخضوع ) ، وبالسجود ( في إشارة ترمز إلى الاعتراف بفضل ربه عليه) . لذلك كان لا بد أن يتلو المصلي ءاياتٍ من [ ذَلِكَ الْكِتَاب ] لتكون ردَّ ربه عليه في كل مرة يقرأ الفاتحة يخاطب بها الله رب العالمين .
*****
ولأن المصلي لا يستطيع أن يَضمن خشوعه الذي هو شرطُ ملاقاة ربه له ، فإنه يظن ويأمل أن يتم اللقاء فيكون ملاقاة ، ولكنه لا يستطيع الجزم بذلك يقينا . لهذا يقول سبحانه :
* [ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) ] البقرة .
وليس هذا الظن – كما توهم بعضهم - هو الإيمان باليوم الآخر ظناً ، فإن الإيمان لا يُقبل فيه الظن الذي لا ينفع الكافرين بشهادة الله سبحانه عليهم في كتابه الذي ينطق عليهم بالحق :
* [ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) ] الجاثية .
فالظن عند وجود الحق لا يغني من الحق (بدلا منه) شيئا ، سواء في الإيمان النظري أو في الإتباع العملي :
* [ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْأ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) ] يونس .
ب . أما الأمر الثاني الذي يزيد خشوعَ العبد المصلي فهو ظنه - إذ لا يمكن الجزم بذلك يقينا في أي وقت - أنه قد يموت في الصلاة أو عقِبها [ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ] ، وأنها قد تكون آخِر فرصة له ليلاقي ربه قبل الرجوع اليه منيبا إليه عابدا فائزا برضاه . أدرك بعض الأقدمين هذا المفهوم فقالوا : صلوا صلاةَ مودِّع !
(5)
العبوديةُ لله وحْده
إذا قام المؤمن إلى الصلاة منيبا إلى الله ربه ( كما ينيب العبد الآبق إلى سيده) ، آملا في ملاقاته ، يخشى أن يموت ويرجع اليه قبل أن يرضى عنه ، كان عبدا لله ربِّه لا اجتهاد له ، فهو [ َلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً {110} ] الكهف ، طالما كان في الصلاة.
وهو فضل لم يعطِه الله سبحانه إلاّ (1) للرسل حين يُنزِّل عليهم ءاياته ويأمرهم بتبليغها بأمانة مطلقة وخضوع تام لله رب العالمين ، كما أعطى الله سبحانه هذا الفضل (2) للنبيين الأوّابين إلى الله ربهم كلما أذنبوا ، ولكل (3) مؤمن وقتَ إنابته إلى الله ربه عز وجل . ومن ذلك الإنابة في صلاة فيها خشوع يكون المصلي بسببهما [ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ] .
وفيما عدا ذلك لا يكون الإنسان عبداً لله ولا لربه ولا يُطلب منه ذلك إذ أنه مخلوق مُخير في كثير من عمله :
حقيقة القضاء والقدر من كتاب الله
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=96&cat=5
وإنما يُطلب منه أن يكون عابداً مجتهداً يُنيب إذا عصى ، فيكون عبداً لله ربِّه وقت الإنابة مستغفراً إذا أخطأ ، وحامدا إذا أصاب . أما العبد فلا يجتهد رأيه إذ أنه عبد مأمور :
* [ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّـوَّابُ الرَّحِـيم ُ(104) ] التوبة .
(6)
الإشارةُ والحركةُ رمزاً لمفاهيمَ في الصلاة
إذا أدركنا هذا المفهوم للصلاة ، وأن الخشوع (الذي تذهب به كثرةُ الحركة والإشارات) هو شرط كونِها ملاقاةً لرب العالمين .. علمنا لماذا لم تذكر في كتاب الله تعالى (ركعة ولا ركعات) ولا (سجدة ولا سجدات) لا بالإفراد ولا بالجمع . وإنما أمر الله سبحانه بالركوع والسجود وامتدح الراكعين الساجدين والركَّعَّ السجود َ. ذلك أن الركوع والسجود هما إشارتان حركيتان رمزيتان ترمزان إلى مفاهيم لدعم واختصار المفاهيم التي تؤديها الكلمات – كما يفعل الناس مع بعضهم بعضاً - ولكن الكلمات هي الأسلوب الأهم بكثير لنقل المعاني والمفاهيم في الحوار وليس الإشارات والرموز التي هي تعبيرات ثانوية . نفهم هذا من قول الله سبحانه :
* [ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ .. (45) ] العنكبوت .
أيْ أن تلاوة القرءان فيها ( ومن الكتاب ) للتعبير عن المعاني أهم وأكبر من الإشارات والرموز بما فيها الركوع والسجود . وبذلك يتبين خطأ الذين يظنون أن درجة إقامة الصلاة تقررها كثرة الركوع ( والركعات ) وكثرة السجود ( والسجدات) وعددها . كما يتبين لماذا لم يشر الله سبحانه إلى عدد معين من ركعات أو سجدات وهو القائل سبحانه :
* [ وَلَقَدْ جِئْنَاهـُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هـُدًى وَرَحْمَةً لِـقَوْمٍ يُـؤْمِنُونَ (52) ] الأعراف ، وأن الكـتاب [.. وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(37) ] يونس .
فلم يترك اللهُ لأحد لا للنبي ولا لغيره أن يُفصل كتابه ، فقد أنزله مفصلاً :
مفهوم تفصيل الكتاب وبيان آياته
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=125&cat=5
هذا ما يُقرّ به الرسول نفسه في آية يشير رقمها إلى عدد سور القرءان الكريم وأن القرءان مُفصّل من الله – لا من النبي ولا من غيره . وأن النبي نفسه يحتكم إلى الله سبحانه أي إلى كتابه في كل تفصيل ، وينيب اليه في كل شيء :
* [ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ..!!! (114) ] الأنعام .
لذلك كانت وصيته إلى المؤمنين ، كما وثقها الله سبحانه ، أنْ يُنيبوا الى من كان الرسول النبي نفسه ينيب اليه :
* [ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(10) ] الشورى .
(7)
مُدة ملاقاة العبد لربه إذا صلّى مفتوحةٌ
لقد ترك الله سبحانه للعبد المصلي نفسه أنْ يحدد مدَّة ملاقاته لربه في الصلاة ، خلافا لما يفعله البشر مع بعضهم بعضاً من تحديد المواعيد وتحديد فترات المقابلات . فطالما كان العبد راغباً في ملاقاة ربه بخشوع لا يشغله ذلك عن واجب ءاخر فسيجد ربه سبحانه معه أينما كان ، ومتى أراد.
وإنّ تخصيص رب العالمين لأوقات ( 3- 5 ) كَتب/فرض فيها على المؤمن أن يلقاه فيها لا يعني أن العبد المنيب إلى الله تعالى لا يستطيع أن يلاقي ربه في غير هذه الأوقات لقاءً يطول أو يقصر حسب طاقة العبد نفسه على الخشوع فيه .. وإنْ كنا نفهم من الإشارات العامة في كتاب الله تعالى أنّ خير خطاب وتكليم وحوار ما كان (طُوىً) كما كلّم الله سبحانه موسى تكليما (12/طه، 16/النازعات) أيْ مثنى(46/سبأ) أو شفعا (3/الفجر) . وإن قَصرَ الخطابِ واختصارَه إلى النصف ليكون فرداً أو وَتراً إنما يكون عند الخوف من فتنة الذين كفروا [ 101/النساء ] . وربما فهمَ بعضُ الأقدمين هذا فقالوا إن الصلاة فرضت (ركعتين) ... ثم زيدت (!!) في الحضر وبقيت في السفر . والسفر المقصود في القرآن هو الذي فيه خوف فقط [ إن خِفتُمْ أنْ يَفتِنَكم الذين كفروا .. {101} ] النساء .
*****
لقاءُ رب العالمين يكون فردا .. ويكون وفدا
ملاقاة رب العالمين في الصلاة ، كاللقاءات بين البشر ، مع الفارق ، تكون جماعيةً يرأس الجماعةَ أو الوفدَ رئيسٌ ينطق باسمهم :
* [ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) ] مريم ..
ويعرضُ مطالبهم العامة ولا يخص نفسه . وقد تكون اللقاءات فردية (وأكثرها كذلك) ينطق كل واحد باسم نفـسه ويعرض طلباته الـفردية والعامـة :
* [ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً {95} ] مريم .
وكذلك ملاقاة رب العالمين في الصلاة : فتكون الصلاة جماعية (كالصلاة الوسطى يوم الجمعة) بوفدٍ ينطق فيها الإمام باسم المصلين ويدعو لهم . من هنا تأتي اهمية اختيار رئيس الوفد او الإمام كما هو حال البشر مع بعضهم بعضا :
مفهوم الإمام والأئمة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=157&cat=3
الجديد من القرءان والواقع عن صلاة الجمعة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=9&cat=3
وتكون فرديةً يصلي كل واحد ما شاء فيطيل أو يقصر ويختار من الدعاء ما يشاء . والخير في الجمع بين الطريقتين كليهما كما يفعل المسلمون بغض النظر عن التسميات التي ما أنزل الله بها من سلطان كقولهم (فرض وسُنة) .
(8)
القنوت والركوع والسجود في كتاب الله تعالى
1. القنوت : هو الخضوع للهِ مع الخشوع ( قلة الحركة) :
باستقراء ءايات الله تعالى في القنوت نستخلص أن القنوت هو الخضوع لله مع الخشوع لكلمات الله تعالى وكتُبه (ءاياته) . فقد زكّى الله سبحانه مريم ابنة عمران بقوله :
* [ …وَصَدَّقَتْ بِكَلِمتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقنِتِينَ (12) ] التحريم .
أي الخاضعين لله سبحانه الخاشعين بسبب التصديق بكلمات ربهم وكتبه (ءاياته المنزلة على رسله) ، فتكون طاعتهم لله تعالى تامة بهدوء ، خضوعاً وخشوعاً .
* [ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خضِعِينَ (4) ] الشعراء ..
فلا يجادلون بعدها ، كما ينبغي لكل مَن يدّعي الإيمان أن يفعل ويقول :
* [ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ {15} ] السجدة .
* [ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ {285} ] البقرة .
قوله سبحانه :
* [ حفِظُوا عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ..] البقرة ..
يعني أن يقوم المؤمنون في الصلاة خاضعين :
* [ خشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بأيتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا {199} ] آل عمران ..
ملتزمين بأيات الله لا يستبدلون بها أي كلام . فالقائم يمكن أن يكون خاشعاً ، أما إذا اضطُر إلى الحركة فإن خشوعه يقل كما هو ملاحظ . وقد عفا الله سبحانه عن الحركة التي تَذهب بالقنوت في حالة الخوف الذي يقتضي أنْ يصلي المؤمنون رجالاً أو رُكباناً .
*****
ويتحقق القنوت خضوعاً وخشوعاً وقلةَ حركةٍ ورهبةً من الله في لقاء العبد لربه في الصلاة حسب قول الله سبحانه :
* [ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) ] النحل ..
لهذا فإن المؤمن يأخذ بقول رب العالمين لموسى عليه السلام حين لاقاه :
* [ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ {32} ] القصص ، [ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ {22} ] طه ومفهوم هذا أن يضم جناحه (ساعده) الأيسر إلى صدره رهبَة من الله وأنْ يضم يده اليمنى إلى جناحه الأيسر أيْ فوقه .
فكلمة ( يد ) تبينُها كلمة ( يمين ) في ما تحمل ( 17/طه) ، وما تخـط ( 48/العنكبوت ) ، وما تفعل ( 93/الصافات) ، وما تملك وتنفق ( 50/الأحزاب) . وهي اليد اليمنى التي يمكن أن تحمل كتاب الله لتتلوه في الصلاة (71/الإسراء) اتّباعاً لأمر الله تعالى :
* [ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتبِ وَأَقِمِ الصَّلوة .. َ{45} ] العنكبوت .
*****
وقد وصف الله سبحانه المؤمنات الصالحات بأنهن قانتات في الآية التي أوصتْ بقوامة الرجال عليهن : فهن خاضعات لأيات الله وءايةِ قوامة الرجال عليهن . ولأن القنوت خضوع وخشوع فهن لا يُكثرن من الحركة ، إذ الشقاء وكثرة الحركة والمشي في مناكبها هما من نصيب الرجال أصلاً ( 117/طه ) وإنما تقوم النساء ببعض ذلك لحاجة لهن او للمجتمع لا تتم إلا بهن .
لهذا أمَر اللهُ نساء النبي ونساء عِلية القوم من المسلمين ومن أحبت أن تتأسى بهن قائلا :
* [ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجهِلِيَّةِ الْأُولَى {33} ] الأحزاب .
إنقاذا للأسرة نواة المجتمع : النساء في كتاب الله
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=111&cat=5
*****
والتبرج (من البرج) هو الظهور على الناس لغير حاجة تسكُّعاً ، سواء بزينة أو بغيرها . أما القواعد من النساء فأباح ربهن لهن التبرج أي الظهور بغير ثيابهن الخارجية كما اذا ذهبن الى عمل خارج البيت ، لكنه اشترط عليهن عدم التبرج بزينة ( 60/النور) .
* [ فَالصّلِحتُ قنِتَتٌ حفِظتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ {34} ] النساء .
فالصالحات من النساء قانتات لله وءاياته وخاصة آية قوامة الرجال عليهن . لذلك فهن يُطعن رجالهن - كما يطيع كل المرؤوسين في العالم رؤساءَهم طوعا أو كرهاً - ويحفظن ما غاب عنهم ملتزماتٍ بآيات الذكر الذي حفظه الله وليس بافتراءات البشر على الله ورسوله :
* [ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ !!! قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ {127} ] النساء .
النساء في كتاب الله . ثانيا : النكاح وأحكام عامة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=194&cat=5
وقد وعد الله القانتات لله ورسوله ( لكتاب الله) من نساء النبي بأجر مضاعف وحذّرهن بالمقابل من عقاب مضاعف كما هو الحال مع عباد الرحمن ( 69-70) الفرقان :
* [ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) وَتَعْمَلْ صلِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) ] الأحزاب .
هذا القنوت لله ورسوله يُفسره قول الله سبحانه في وصف المؤمنين حقا :
* [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا .. (2) ] الأنفال .
لم يُؤمر المسلمون بالركوع - رمزاً لطاعة الله تعالى والخضوع له - لم يُؤمروا به في العهد المكي الذي لم تنزل فيه ءاية واحدة تأمر لا بالركوع ولا حتى بطاعة الله ورسوله ، لأن المؤمنين لم تكن لهم سيادة سياسية في شئونهم تمكنهم من الركوع لله تعالى وطاعة الله ورسوله ، وتعينهم عليها كما لم يكن للرسول نفسِه مثلُ هذه السيادة حتى يأمر المؤمنين فيطيعوا مع ان الله امرهم كما امر النبيَّ معهم باتباع ما انزل الله ، أيْ بتتبع آيات الله دراسة وفهماً استعدادا للوقت الذي سيكون عليهم فيه أن يطبقوا ما درسوه طاعةً لله ورسوله . مِن هنا لم يكن في الصلاة في العهد المكي ركوع بل قيام وقراءة قرءان وسجود. ولم يُذكر الركوع في أيةِ آية مكية إلا ركوعَ داود عليه السلام :
* [ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {24} ] ص .
طاعة الرسول الكريم وعلاقتها بالصلاة
رُبطت طاعة الرسول عليه السلام بطاعة الله سبحانه (طاعةً واحدة) في أكثر من عشرين آية من كتاب الله . وأُمر المؤمنون بطاعة الرسول تحديداً في موقعين لتتعلق بها ثلاثة امور هي : (1) القتال (2) وإقامة الصلاة (3) وإيتاء الزكاة .. لِما علم الله سبحانه أن كثيراً من الضلال والضرر سيلحقان بالأمة بسبب رجوعها في هذه الامور خاصة إلى غير الرسول أي إلى غير الكتاب الذي نُزِّل عليه وأُمر ومن معه باتباعه .
من ذلك احتجاجُ كثيرين بالصلاة والزكاة وزعْمهم أنهما لم تفصلا في القرءان وإنما أُخذت تفصيلاتهما مما أسموه افتراء على الله والرسول (السنة النبوية) وفي ظنهم أنها سنة الرسول كذلك . فأمرَ الله سبحانه أن تؤخذ أحكام القتال والحرب والسلم وأن تقام الصلاة وتُؤتى الزكاة وتؤخذ أحكامهما ككل الأحكام تفصيلاً عن الرسول (وليس عن النبي ) أيْ من ءايات الله في الكتاب الذي نزل عليه ، وبه صار رسولاً ، والذي كان مرجعه الوحيد إيماناً واتباعاً وأُمر أن يبلغه للناس لا يزيد عليه ولا ينقص منه :
* [ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتبٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ …(89) ] البقرة .
* [ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتبَ كِتبَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) ] البقرة .
*****
وقد ضاهأ المسلمون أهلَ الكتاب فنبذوا كتاب الله (رسول الله) وراء ظهورهم بعد عام (101) هجري حين بدأ الزهري وغيره بكتابة الحديث النبوي خلافاً لأمر النبي بعدم كتابة أي شيء عنه سوى القرءان ، واعتبروه حديث الرسول بدون تمييزٍ بين النبي والرسول وأن الله سبحانه قد أمر بطاعة الرسول تحديداً لتظل طاعةُ الله فيما أنزل عليه من الكتاب وطاعةُ رسوله فيما بلّغ عنه فرضاً على المؤمنين إلى يوم القيامة . ذلك أن المهمة الوحيدة للرسول هي تبليغ ءايات الله تعالى بعبودية مطلقة بعد أن يؤمن بها فقط ثمّ يتبعها معهم (انظر الأيات 285/البقرة ، 67/المائدة، 2-3/الأعراف). فاتباع الرسول هو اتباع ءايات الله تعالى تحديدا :
. الرسول والنبي : أصل البلاء عدم التمييز بين مهمتيهما
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=218&cat=6
* [ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَـخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحبُ الصِّرطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135) ] طه .
* [ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) ] القصص .
* [ رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّهِدِينَ (53) ] آل عمران .
فالأصل هو ما أنزل الله سبحانه أي القرءان تحديداً . فإن اتباع الرسول هو اتباع ءايات الله .
مفهوم الوسطية القرءاني يتحقق باتِّباع الرسول/القرآن الكريم :
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=17&cat=3
وفي الذين أطاعوا سادتهم العلماء وكبراءَهم الفقهاء والمسئولين ولم يطيعوا اللهَ فيما أنزل والرسولَ فيما بلَّغ من ءايات الله يقول سبحانه :
* [ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) ] الأحزاب .
تدبر الأيات ( 27-31 ] الفرقان ، التي تؤكد مفهوم طاعة الرسول وأنها اتباع القرءان تحديداً
*****
مواقع طاعة ( الرسول ) في كتاب الله
أوّلها : ءايات القتال في الآيات 69-84/ من سورة النساء التي توسَّطها أمْرٌ بطاعة الرسول وأمْرٌ بتدبر القرءان :
* [ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصـّلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفـِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)… الَّذِينَ ءَامَنُوا يُقتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّغُوتِ فَقتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطنِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطنِ كَانَ ضَعِيفًا (76)… مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلفًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطنَ إِلَّا قَلِيلًا (83) ] .
. إفعلوها ولو مرة فاعتصموا بحبل الله
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=41&cat=2
إن توثيق هذا الأمر من اثنين بطاعة الرسول وهذا الأمر من اثنين في سورة النساء تحديداً إنما ليذَّكَّر أولوا الالباب بأن هذه السورة تضمنت الأمرين الاثنين كذلك بوجوب رد الإفتاء (الذي هو بيان مركب) وخاصة في شئون النساء إلى الله سبحانه أي إلى كتابه الكريم وليس إلى النبي :
الإفتاء في الدين حق لله لا للبشر
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=28&cat=3
* [ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ !! قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ …(127) ] النساء .
* [ يَسْتَفْتُونَكَ !!!! قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَللَةِ … يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) ] النساء .
*****
وأكثر الأمور تعقيدا وخطورةً هي أمور السلم والحرب كما يتبين من واقع المسلمين اليوم . لذلك تحتاج أحكامهما إلى استنباطٍ يجريه الذين يعلمون . لهذا - والله أعلم - قضى الله سبحانه في الأيات المذكورة أن تُردَّ أخبار وأمور [ الْأَمـْنِ وِ الْخَوْفِ ] إلى الرسول في حـياته مع التوكل على الله ، ويجب على المؤمنين طاعته. أما بعد وفاته فترد أوَّلا إلى الله سبحانه بالتوكل عليه وتُرد ثانياً إلى ( مجلس الخلافة الدستوري الأعلى) وإلى أولي الأمر من الذين امنوا (المستوى السياسي) إن وجدوا . وقد نهى الله سبحانه عامةَ المؤمنين أن يذيعوا أيَّ شيءٍ من أخبار السلم والحرب لقلة معرفتهم بها وبأسرارها فكيف بممارستها !
وقد وثق الله سبحانه هذه الحقيقة الخطيرة في الأيات (29-44) من سورة النمل لمنع العسكريين والغوغائيين من جـرّ الأمة إلى مغامرات مدمرة لو كان أمر [ الْأَمْنِ/السّلْم و الْخَوْفِ/الحرب ] بأيديهم . فكيف حين يضطر الحكام إلى جرّ الأمة إلى حرب مدمرة تحت ضغط الدهماء والعامة والذين لا يعلمون !!
بديل ثقافة العنف لتغيير الأنظمة وإصلاحها
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=2&cat=5
ثاني المواقع التي ورد فيه الأمر بطاعة الرسول تحديداً هو الأيات (54-56) من سورة النور التي وثق الله سبحانه فيها الوعد الحق باستخلاف الذين آمنوا في الأرض ذاكراً شروط الاستخلاف وشروط ديمومته :
* [ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّلِحتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْـدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُـمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُـوا الصَّلوةَ وَءَاتُـوا الزَّكوةَ وَأَطِيـعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) ] النور .
أضواء جديدة على تاريخ فلسطين
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=19&cat=2
فالرسول الكريم عليه ما حُمّل وفُرض عليه وهو فقط البلاغ المبين الذي لا ريب فيه ، يتلوه عليهم بلسانهم . فلم يُحمِّل الله سبحانه الرسولَ ولا أيَّ رسول إلا البلاغ المبين وبلسان قومه :
* [… فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلغُ الْمُبِينُ(35) ] النحل .
* [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ …(4) ] إبراهيم .
وعلى البشر (وأولهم النبي محمد) ما حُملوا وهو الإيمانُ بهذا البلاغ المنزل واتِّباعه . وكما حُمل أهل الكتاب التـوراةَ (5/الجمعة) فقد حُمل المسلمون القرءان . وكما فعل أهل الكتاب بعد فترة حين [ لم يحملوها ] وحَملوا أسفار أحبارهم ورهبانهم بدلا منها ، فقد حَـمل المسلمون بعد جيلي الصحابة الكرام وتابعيهم ( 2-4/الجمعة ) أسفارَ سادتهم العلماء والفقهاء بدلا من حمْل القرءان إيماناً واتباعاً ، فكان مَثَلُ الطائفتين كمثل الحمار يحمل أسفاراً لا تنفعه !!
ومما يجب أن تنقطع له قلوب المسلمين خوفاً من الله عز وجل وصفه للذين فعلوا ذلك بالمكذبين بآيات الله والظالمين :
* [… بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِأيتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ(5) ] الجمعة ..
مع أنهم ظلوا يتلون التوراة والقرءان ويزعمون أنهم يؤمنون بهما .
لقد علم الله سبحانه [ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14) ] المُلك .. أن أكثر المسلمين سيجادلون بالباطل ليُدحضوا به الحق وأنهم سيتخذون ءايات الله هزواً يُبطلونها وينسخونها ويعرضون عنها بحجة أسفار الحديث والفقه ، وأنهم سيتخذون الصلاة والزكاة مَثَلين على أن الله سبحانه لم يُفصِّل كثيراً من الأحكام وأن النبي (أو الرسول فلا فرق عندهم) هو الذي فصّل كيفية الصلاة ونسبةَ الزكاة .
وثالث المواقع بطاعة الرسول (تحديداً وليس النبي) في سورة النور وفي نجم ءايات الوعد الحق الذي ربط الله سبحانه تحققه واستمرارَه بعبادة الله وحده دون الإشراك به [ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ] وبطاعة الرسولِ/اتِّباعِ القرءان ، وخاصة في الصلاة والزكاة وتفصيلاتهما، كما سبق أن أمر (في سورة النساء) بردّ شئون الحرب والسلم خاصة إلى الرسول في حياته وإلى القرءان وخلفاء الرسول بعد وفاته وليس إلى الأحاديث والأخبار المروية عن النبي - سواء قالها أو لم يقلها - لأن النبي نفسه (بغضّ النظر عما أوحى الله سبحانه إليه غير القرءان وحي نبوة ، أو اجتهد في فهمه وتطبيقه في واقع معين كبشر) قد أمره الله تعالى وأمر المؤمنين معه أن يتبعوا ما أُنزل إليهم من ربهم (قرءانا) فورَ نزوله ، وأن يقدموه على أيّ إيحاءٍ نبوي أو اجتهادٍ قبله أو بعده . وأشهر مثل على هذه القاعدة الإيمانية هو مثل القِبلتين الأولى والآخِرة الذي بيناه في مقال مفهوم الوسطية آنف الذكر :
مفهوم الوسطية القرءاني يتحقق باتِّباع الرسول/القرآن
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=17&cat=3
* [ وَكَذَلِكَ جَعَلْنكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هـَدَى اللَّهُ…(143) ] البقرة .
في هذه الأية الكريمة تقرير لسُنة ربانية في البشر تجعلهم يستثقلون التغيير ويرونه كبيراً حتى في دائرة الحق نفسه تحسيناً وارتقاءً فكيف إذا كان التغييرُ يقتضي تركَ الباطل واتباعَ الحق كما هو واقع المسلمين اليوم بل منذ قرون بعد أن طال عليهم الأمد فنسوا الذكْر وكانوا قوماً بوراً ( 18/الفرقان ) !!
* [ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتبَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فسِقُونَ(16) ] الحديد .
إقامة الصلاة كما بيّنها اللهُ سبحانه في كتابه العظيم
ثانياً
(13)
مواقيتها وعلاقاتها بالعمل ومشكلاته من كتاب الله
* [ .. إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً ]
مقدِّمة :
وردَ أمْر الله سبحانه فرديا بنص [ أقِمْ الصَّلوة ] في القرءان الكريم خمس مرات : ثلاثا منها للرسول الكريم ، ومرة لموسى ومحمد - عليهما سلام الله - وأخرى على لسان لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه . ومن المرات الثلاث مرتان يشير الله سبحانه فيهما إلى مواقيت الصلاة . وقد أكد الله سبحانه ذِكرَه لمواقيت الصلاة في الكتاب بقوله :
* [ إِنَّ الصَّلوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتبًا مَوْقُوتًا(103) ] النساء .
أيْ إن فرضها وتوقيتها وُثِّقا كلاهما في الكتاب الدائم وليس من قبيل الحكمة الشفهية . والخطاب هنا في هذه الأية الكريمة هو للمؤمنين من العالمين في مختلف بلاد الدنيا التي فيها ما فيها من ظروف التوقيت وشروق الشمس وغروبها على فترات متباينة، إضافة إلى ظروف الحياة والعمل وفتراته ، بما في كل ذلك من المناخ واكتظاظ وسائط النقل ، وازدحام المؤسسات العامة وانخفاض إنتاجيتها …
*****
كيفيةُ الصلاة ووقتُها في العهد المكي
في أولى سور القرءان الكريم نزولا نزل أمرٌ للرسول الكريم بالسجود وفيه إشارة إلى الصلاة :
* [ أَرَءيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) ] العلق ..
* [ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ] العلق .
وتأكد ذكر السجود في ثاني سورة : القلم
* [ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) ]
وفي السورة الثالثة (المزَّمل) نزل الأمر صريحا بالصلاة وكيفيتها الأولى :
* [ يأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اليْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْءانَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) ]
فكانت الصلاة في العهد المكي كله بالليل ، ولم يكن بالنهار صلاة منتظمة . وكانت صلاة الليل قياما وتلاوة ءايات من الكتاب وسجودا . ولم يكن فيها ركوع. بل لم تنزل ءاية واحدة مكية تأمر الرسول الكريم والمسلمين بالركوع . وإنما ذُكر الركوعُ وشرع بعد الهجرة وفي الأيات المدنية حين صار للمسلمين مجتمع سيادي يتمكنون في ظله من الخضوع لأمر الله والركوع .
*****
ثم أُمر الرسول الكريم أن يتلو على الناس ءاخِر ما أُوحي إليه من ءايات الكتاب وأن يعلِّم النبيُّ المؤمنين ما فيها من تشريع نظري وحكمة تطبيقية وأن يقيم الصلاة . والترتيب هنا مقصود من أجل أن يُبلّغ ءاخر ما أوحي إليه من ءايات الكتاب لأصحابه في صلاة الجمعة خاصّةً ، ومن أجل ربط الصلاة بأيات الكتاب المناسبة للواقع . لأن ءايات الله سبحانه كانت تُنزَّل مُرتبة حسب الوقائع والمناسبات العملية لتعالج واقعا وتُعقلَ به فتُفهم :
[ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتبِ وَأَقِمْ الصَّلوةَ إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ] العنكبوت .
الجديد من القرءان والواقع عن صلاة الجمعة
http://kuno-rabbaniyeen.org/?page=details&newsID=9&cat=3
* [ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلوةَ لِذِكْرِي (14) ] طه .
من أجل أن تذكرني بتلاوة ءاياتي ، أقم الصلاة فإن الذِّكر أو ذكرَ الله هو ءايات الله سبحانه مِن الكتاب . فإقامة الصلاة بالكلام والإشارة الرمزية هي وسيلة لتحقيق ذِكر الله تلاوةً وتكبيرا وتسبيحا وإشاراتٍ رمزيةً ، لهذا كان قوله سبحانه [ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ] ، أي أنَّ تكليم الله سبحانه فيها والاستماع إلى كلامه أهم من الإشارات الرمزية كالركوع والسجود اللذيْن شُرعا لدعم الكلمة كما يفعل الناس مع بعضهم بعضا .
* [ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)
وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمتِ إِلَى النُّورِ
وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) ] الأحزاب .
(14)
كيفيةُ الصلاةِ وأوقاتُها بعد الهجرة
كانت الصلاة على النحو المذكور في مكة مرحلةً أولى . وفي المدينة بعد الهجرة نشأ واقع جديد بمسؤوليات مختلفة أضيفت هنا لِتُخفَّف هناك ، إذ أن كل عمل يقوم به المسلم مُسهما به في عمارة الأرض متَّبعا هدى الله سبحانه ، أي خطته في الإعمار هو عبادة . وقد وثق الله سبحانه هذا التخفيف في آخر سورة المزمل المكية التي يتصدرها أول أمر للرسول الكريم بقيام الليل ، وثّقه في ءاية مدنية :
* [ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اليْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اليْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقرءان عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَءاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَءاخَرُونَ يُقتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلوةَ وءاتُوا الزَّكَوةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(20) ] المزمل .
ويُلاحظ أن الأمر في معظم الأيات هو بإقامة الصلاة وكأنها بنيان يجب أن يكون قائما ليدوم أثره وأجره .
*****
ثم شرعت صلاة النهار صلاتين منفردتين أو مجموعتين وظلت صلاة الليل من غير تحديد وقت سوى أنها جُعلت [ زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ ] أي أوقاتا متقاربة منه وبحيث تكون قريبة من النهار ( كما بينتْ الأية 78 من سورة الإسراء لاحقا) ليناسب ذلك الضربَ في الأرض نهارا والسكن في الليل والنوم به أي بجزء كاف منه . فقال سبحانه :
* [ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) وَأَقِمْ الصَّلوةَ (1) طَرَفِي النَّهَار (2) وَزُلَفًا مِنْ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذّكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) ] هود .
ثم نزل قول الله سبحانه يحدد صلاة الزُّلف من الليل ( وهي صلاة مكتوبةٌ أصلا حسب الأية (114) من سورة هود) بأنها صلاة دلوك الشمس ممتَدّةً مِن غروب الشمس إلى غسق الليل ( صلاة العشاء ) .. كما حدّد صلاةَ الفجر/الغدوِّ إلى العمل ، التي لأهمية القرءان فيها سماها الله [ قرءانَ الفجر ] ، لأنّ القرءان أبرز ما فيها بل ما في كلّ صلاة . وقد أصبحت الصلوات بذلك ثلاثا إلى خمسٍ . أما أوقات الليل الأخرى فقد أوصى الله سبحانه نبيه عليه السلام أن يتهجد ببعض القرآن ( به ) نافلة له . فقال سبحانه في نجمين متتابعين من الأيات :
* [ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنكَ ضِعْفَ الْحَيوةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلفَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)
أَقِمْ الصَّلوةَ (1) لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اليْلِ (2) وَقرءان الْفَجْرِ إِنَّ قرءان الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنْ اليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطنًا نَصِيرًا (80) ] الإسراء .
أ. نُهي النبي والمؤمنون في النجمين من ءايات مواقيت الصلاة (114/هود ، 78/الإسراء) .. نُهوا عن الركون إلى الذين ظلموا (باللجوء إليهم والاعتماد عليهم وطلبِ أو قبول مساعدتهم) ، ورُبط هذا الأمر بإقامة الصلاة وبيان مواقيتها تثبيتا لهم على الإيمان وتمتينا لصلتهم بالله سبحانه بدلا من الركون إلى الذين ظلموا الذين لن تنفع نُصرتهم إذا غابت نُصرة الله تبارك اسمه ، ولا تنفع صلاةٌ مع الركون إليهم . بل إنهم سيصبحون جنوداً مهمتهم الدفاع عمن عبدوهم بدلاً من الانتفاع بنصرتهم فينطبق عليهم قول العامة (جبناك يا عبد المعين تعين...! ) :
* [ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) ] يس .
ب. كلمة (النهار) في الأية 114/ هود مِن المثاني ، فهي أوَّلا ما يقابل الليل ، وثانيا هي يوم أو فترة أو وقت العمـل :
* [ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) ] النبأ ، أي لكسب الرزق بالعمل .
* [ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) ] المزمل ..
أيْ حركةً يطول وقتها لتنفيذ ما أنشئ وخطط له وبُيِّت بالليل :
* [ إِنَّ نَاشِئَةَ اليْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) ] المزمل .
أي أن بداية أي عمل ، وهي خطته ، هي الأصعب فيه ولذلك يجب التخطيط له وتبييته بالليل الهادئ .. فإن ما يُنشأ فيه قولاً وكلاما كخطةٍ للعمل يكون أقوم وأصح مما يُعدُّ منه في النهار الذي جعله الله سبحانه للتنفيذ والحركة لا للتخطيط .
لذلك قالت العرب في الأمر المحكم التنفيذ (أمْر دُبِّر بليل) . فإذا كان التخطيط لله سبحانه رُدَّ الأمر إليه في صلاة استخارة تطمئن بها النفوس . هذا هو مفهوم قوله عز وجل واصفا عباد الرحمن :
* [ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) ] الفرقان .
فهم يجدون راحةً وانشراح صدْر في سجودهم وقيامهم لربهم اذا اهمَّهم امرٌ ( انظر بيَّت وبياتاً في المعجم المفهرس) . كيف لا وقول الله سبحانه يقرع الأسماع :
* [ إِنَّ هَذَا الْقرءان يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّلِحتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) ] الإسراء .
*****
* [ وَمِنْ ءايتِهِ مَنَامُكُمْ بِاليْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ …(23) ] الروم .
فالمنام جُعل أصلا بالليل أي بجزء منه ويمكن أن يكون بجزء من النهار. وكذلك الابتغاء من فضل الله بالعمل وغيره يكون أصلا بالنهار . أما أن يكون بالليل فالإشارة إلى ذلك ضعيفة وكأنها ادُّخرت لبعض الحالات التي قد تقتضي العمل بالليل . وقوله سبحانه :
* [ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ] ... يعني بالليل والنهار .
*****
* [ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ …(73) ] القصص .
أي لتسكنوا في الليل كله فلا عمل ( فيه ) كله ، ويمكن أن يكون عمل به ، بينما المنام بالليل أي في جزء منه . ولتبتغوا من فضله بالعمل وغيره في النهار كله على التوالي . أما إمكانية المنام بالنهار ، فبالإضافة إلى الإشارة التي في آية الروم (23) فقد وردت ضمن العورات الثلاث للناس التي لا تزاور فيها إلا باستئذان مسبق ، وهي وقت القيلولة ظهرا ، ومن قبل صلاة الفجر ومن بعد صلاة العشاء ، حتى للأولاد اطفالاً وبالغين . ومفهوم هذا أيضا أنه لا تبذَّل في غير هذه الأوقات حتى في البيت :
* [ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لِيَسْتَئذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمنُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلثَ مَرّتٍ : مِنْ قَبْلِ صَلوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلوةِ الْعِشَاءِ ثَلثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ …(58) [ النور .
وتعطي الاية (59) من سورة النور مفهوماً تربوياً بوجوب استئذان الاولاد اذا ارادوا الخروج من البيت في هذه الاوقات التي تقلّ فيها الحركة ، ويمكن أن يُساءَ فيها التصرف !!!
* [ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اليْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) ] الفرقان .
فالليل بما فيه من نوم الجسد وسُباتِ أو رقود